خلال زيارته الأولى إلى جريدة «السفير» ورئيس تحريرها الزميل طلال سلمان، طرح سفير بريطانيا هيوغو شورتر أسئلة أكثر مما أجاب. بدا هذا الديبلوماسي المحترف مهتماً بمعرفة ما يدور في بال الصحافيين بشأن موقف بلاده من التطورات الأخيرة في لبنان والمنطقة.

هيوغو شورتر إنكليزي بامتياز من ناحية الهدوء والمزاح الذي يحيّر المستمعين إليه في معرفة ما إذا كان جدياً أم لا. يتكلم اللغة الفرنسية وكأنه فرنسي، ويقول في هذا المجال إن لديه تجربة خاصة إذ إنه ترعرع في البرازيل حيث تلقى دروسه الخاصة هناك. كما أنه أخذ دروساً جامعية في «الإينا» الجامعة الرسمية للإدارة في فرنسا وهو متزوج من فرنسية.

هذه العوامل مجتمعة سمحت له أن يشغل منصباً ديبلوماسياً في باريس لمدة خمس سنوات، لكن بيروت هي أول منصب له في الشرق الأوسط. يقول شورتر إن لبنان بلد فريد من نوعه في العالم إذ إن التنوع الثقافي والديني والسياسي هو نموذج يجب الحفاظ عليه في هذه المنطقة.

وحين قيل له إن لبنان عرف وعاش قبل غيره من البلدان العربية الحرب الأهلية الداخلية، أجاب شورتر «على الأقل، لبنان أنهى هذه التجربة، ويبدو أنه لا أحد من الفرقاء المحليين يريد تكرارها».

اختار سفير بريطانيا في لبنان توقيت اللقاء مع أسرة «السفير» غداة تمرير استحقاقي انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتأليف حكومة لبنانية جديدة برئاسة الرئيس سعد الحريري، وذلك من أجل مقاربة المشهد اللبناني عشية انتهاء سنة وبداية سنة جديدة.

فوجئت بتأليف الحكومة

يقر شورتر مثلا أنه لم يكن يتوقع تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة في مساء الاحد الذي أعلنت فيه قبل عشرة أيام، فوصله الخبر بصورة مفاجئة، لكنه يعتبر هذا الحدث «تطورا سارّا للبنانيين».. و «يمثل تقدما فعليا في مسار إعادة تفعيل المؤسسات الدستورية اللبنانية، بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية».

يقول شورتر في حواره مع «السفير»: «يجب الآن انتظار ماذا ستفعل هذه الحكومة، لكنني أشعر بأن رئيس الحكومة سعد الحريري متحمس جدا للعمل وكان واضحا في التعبير عن ذلك في اول حديث له بعد اعلان الحكومة».

يؤكد شورتر ان تعيين وزراء دولة لحقوق الانسان وشؤون المرأة ومكافحة الفساد «بادرة مهمة تعطي فكرة عن اولويات الحكومة الجديدة والعهد الجديد وهذا جيد للبنان. لكن يجب انتظار المضمون بعد هذه العناوين المبشرة بالخير».

اما عن تخصيص حقيبة دولة لشؤون النازحين السوريين، فيعتبر هيوغو شورتر انها مبادرة جيدة اذ انه من المفيد ان تكون للدولة اللبنانية مقاربة شاملة لهذا الموضوع، «مع اننا لا نعرف ماذا سيكون تحديدا دور هذه الوزارة لكننا نقدر انها ستحيط بكل جوانب هذا الملف الانساني وبالتاكيد سنتحاور معها على هذا الصعيد».

يذكر شورتر في هذا المجال بمؤتمر لندن في شباط 2016 الذي أرسى قواعد للتنسيق بين لبنان والدول المانحة في موضوع النازحين السوريين «فإذا اراد الوزير الجديد المعني بملف النازحين ومعه الحكومة بطبيعة الحال تنظيم مؤتمر لمتابعة هذا الملف فستكون فكرة جيدة ونحن مستعدون للعمل الى جانبه».

برامج مقنعة ومنتجة للنازحين

÷ هل لدى بريطانيا تحفظات على فكرة اعادة بعض النازحين السوريين الى مناطق سورية آمنة؟

ـ يجيب السفير البريطاني ان بلاده والدول الاخرى المعنية مستعدة لمساعدة لبنان وهو يعلم ان موضوع النازحين موضوع دقيق جدا عند اللبنانيين ويشغل بالهم كثيرا، «لكن دور الحكومة اللبنانية هو التوصل الى موقف لبناني موحد».

يضيف: «ما يهمنا وباقي الدول المانحة، ان تكون الحكومة نشيطة وقادرة على وضع برامج مقنعة ومنتجة وهذا يتيح بالتأكيد الفرصة لاعطاء المزيد من المساعدات».

÷ ماذا تعني بقولك «برامج مقنعة ومنتجة»؟

ـ يجيب السفير البريطاني أن المشاريع الجيدة هي التي تنفذ على الارض وتفيد النازحين والبيئة التي تستقبلهم وتحتضنهم كما انها تكون سريعة التنفيذ وتحظى بادارة مالية جيدة وفق معايير واضحة وشفافة. يعطي مثلا على ذلك المشروع الذي قدمته وزارة التربية الذي لاقى دعما كبيرا من الدول المانحة.

يضيف شورتر ان بريطانيا قدمت مساعدات كثيرة للمجموعات التي تستضيف النازحين السوريين، إذ جرى العمل مع 49 بلدية حيث توجد أعداد كبيرة من النازحين وذلك من أجل تحسين البنى التحتية على صعيد توزيع المياه والزراعة وحتى في مجال الثقافة، فكانت البلديات تضع البرامج مع لوائح بالاولويات وتتكفل بريطانيا ودول مانحة أخرى بالتمويل.

المانحون لم يقلصوا مساعداتهم للبنان

بحسب السفير البريطاني، فقد بلغ برنامج المساعدة للبنى التحتية اللبنانية حدود 60 مليون دولار سنويا. وفي عام 2016، تغيرت القواعد لاعطاء قروض ميسرة. وفي تموز 2016 قدم لبنان ثلاثة مشاريع، الاول يقضي باعادة تأهيل الطرق الداخلية والثاني يقضي بتطوير مرفأ طرابلس، اما الثالث، فهو اعادة تأهيل السكة الحديدية. وقد أقر الاول أما المشاريع الاخرى فلا تزال قيد الدرس. وهناك مشاريع اخرى قيد البحث.

ينفي السفير البريطاني ان تكون الدول المانحة قد خففت مساعداتها، ويقول إنه منذ مؤتمر لندن في شباط 2016 زادت الدول المانحة مشاركتها في مساعدة لبنان خصوصا في المجال التربوي حيث اصبحت مضاعفة 4 مرات (40 مليون ليرة إسترليني) اذ إنه من المهم تقديم برامج مع رؤية مستقبلية.

÷ هل هذا يعني ان النازحين باقون في لبنان؟

ـ «لا أبدا»، يجيب السفير البريطاني، ويضيف: «ثمة حاجة إلى التخطيط والتنظيم لأنه لا احد يعلم متى ستنتهي الحرب السورية. لذلك يجب ان يمتلك لبنان القدرة على تنظيم تعامله مع وجود النازحين لفترة ما. لكنني أوكد أنه لا أحد يريد بقاء هؤلاء النازحين في لبنان بصورة نهائية».

يضيف: «نحن نعلم أن مثل هذا الوجود سيشكل ضغطا كبيرا على اللبنانيين وعلى النسيج الطائفي والاجتماعي في لبنان. نعم، لكل البلدان الحق في تقرير من سيبقى عندهم لمدة طويلة. وبالطبع هناك واجبات تجاه اللاجئين».

لا عودة للنازحين بالاكراه

÷ ولماذا يضغط المجتمع الدولي على لبنان لاعطاء اقامات للنازحين؟

ـ يجيب السفير البريطاني أنه من الطبيعي أن تكون للنازحين أوراق تثبت أنهم موجودون في لبنان بصورة قانونية. ويقول إن المجتمع الدولي لا يضغط بشأن اجازات العمل خصوصا ان بعض المجالات مثل البناء والزراعة مفتوحة للعمال السوريين ولا يرغب اللبنانيون في العمل فيها. بكل الأحوال، من الضروري مساعدة السوريين لكي يجدوا عملا للتخفيف من التهميش واليأس.

ويشدد السفير البريطاني على ان عودة النازحين الى بلادهم يجب ان تكون آمنة ووفق شروط مقبولة من قبل المجتمع الدولي، اذ انه من غير الممكن ان تتم العودة بالاكراه.

ويؤكد شورتر أن التجربة التي حصلت في افغانستان كانت بمثابة درس للمجتمع الدولي. «فقد عادت اعداد كثيرة من النازحين الذين لجأوا الى باكستان لكن بسبب الظروف السيئة تركوا مرة جديدة بلادهم ولا يمكن الآن اقناعهم بالعودة مجددا. لذلك، نحن نريد ان تتم العملية (العودة إلى سوريا) طوعا وبسلام وأن تكون ناجحة. لذلك يجب ان تكون هناك شروط متوافرة وهذا من مصلحة لبنان».

الحل السوري سياسي وليس عسكريا

يعتبر شورتر أن الحل في سوريا لا يمكن ان يكون عسكريا بل سياسي، «وأي اعتقاد غير ذلك هو مجرد وهم». يأمل ان تكون 2017 بداية مفاوضات سياسية يتم خلالها الاتفاق عل فترة انتقالية تتيح المجال لعودة النازحين واقرار المساعدات الدولية لاعادة إعمار سوريا على قاعدة اتفاق سياسي قابل للحياة وللاستمرارية. بنظر شورتر «هذا الحل السياسي غير ممكن بوجود الرئيس بشار الاسد».

شرط وحيد لدعم الجيش..

وفي مجال المساعدة العسكرية للجيش اللبناني، يؤكد شورتر ان بريطانيا ساهمت في انشاء 3 فرق لحماية الحدود مع اقامة ابراج محصنة للجيش وهناك فرقة رابعة يتم إنشاؤها وهكذا ستكون كل الحدود اللبنانية تحت سيطرة الجيش اللبناني.

بالنسبة لبريطانيا، يقول شورتر إن الشرط الوحيد للتعاون العسكري هو ان يبقى الجيش هو الشريك القوي. طبعا بريطانيا ضد وجود عناصر «حزب الله» في اي مكان في لبنان وليس فقط على الحدود أو في سوريا، لكن هذه مسؤولية الجيش اللبناني.. لكن بريطانيا ليست بصدد طرح هذه المسألة، فهي شأن لبناني وبريطانيا تتعامل مع الجيش اللبناني فقط. وهي لا تتدخل بما يدور في الجانب الآخر من الحدود بين حزب الله والافرقاء السوريين. لكننا نتطلع الى سيطرة الدولة اللبنانية على كامل الاراضي اللبنانية، اذ إنها «يجب ان تبسط سيادتها عليها بشكل كامل» يقول شورتر.

واللافت للانتباه أنه برغم كون بلاده من الأكثر تشدداً في موضوع «حزب الله»، يبدو سفير بريطانيا في لبنان منفتحاً ومستمعاً جيداً.

دينامية لبنانية جديدة.. واعدة

÷ هل توافق القائلين إن الحكومة الجديدة هي «حكومة 8 آذار»؟

يقول السفير البريطاني «إنها حكومة وحدة وطنية وتقريبا كل الاطراف ممثلة فيها. هناك دينامية جديدة مع وجود رئيس للجمهورية لديه كتلة نيابية وازنة. لكن من المبكر وضع التصنيفات ويجب انتظار وترقب عمل هذه الحكومة.. وفي كل الأحوال، ليست مهمتي اعطاء التصنيفات».

÷ وماذا عن الانتخابات التشريعية المرتقبة في لبنان في عام 2017؟

يصر السفير البريطاني على ضرورة اجرائها خلال 2017 اذا تم الاتفاق على قانون إنتخابي جديد، «من الممكن الاتفاق على إرجاء تقني لكن من الضروري ان تجري الانتخابات لان الديموقراطية تقتضي ذلك. ولكي تبقى حية، يجب اجراء انتخابات بشكل دوري». على كل حال، يختم شورتر، «اشعر بحماسة لدى اللبنانيين جميعا لاجراء الانتخابات».