ليس إبن خلدون (1932-1406) مفكرا يمكن بسهولة فهم إنتاجه بمعزل عن نشاطه العملانيّ في المجال السياسيّ في بيئة الغرب المسلم وأفريقيا الشمالية في النصف الثاني من القرن الرابع عشر. نتحدّث عن رجل سياسيّ من أسرة «نخبوية» كانت تشارك على نحو حثيث في المجرى العام للأحداث والتحولات السياسيّة والنزاعات بين الأسر الحاكمة في تلك الحقبة، بعد انفراط عقد الخلافة الموحّدية. رجل وصل به صيته ككاتب وسياسيّ إشكالي إلى مقابلة الفاتح المنغوليّ الشهير تيمورلنك على أبواب دمشق بطلب من الأخير في ما تورده المصادر.

في العموم، تفترق موقعيّة هذا المؤّرخ الإسلاميّ الكبير ضمن التاريخ المعرفيّ العام للحضارة الإسلامية عن سائر المفكرين والمؤرخين المسلمين. يتأسّس هذا الافتراق على جدّليةٍ لا تنفك تستولد إشكالاتها عند كل تعرّض لإنتاج ابن خلدون. ولا نقصد بالموقعيّة مستويات الربط الزمانيّ/ المكانيّ بين المنتج وعصره فحسب، بل نقصد تلك الموقعيّة التي تقيم مؤلَف ابن خلدون الأشهر في قلب الإشكاليات المعرفية الغربية منذ القرن التاسع عشر وصولا إلى الراهن. وهي إشكاليات تتصل، أساسا بمسألة الحقول العلمية المعرفية التي تمحورت حول «الإنسان» كمفهوم ومجال للدراسة بمجمل متعلقاته داخل الاجتماع البشريّ.

يعيد المؤرخ المغربي «عبد السلام شدّادي» (مواليد 1944)، في دراسة مفصّلة باللغة الفرنسيّة، طرحَ هذه الموقعيّة على الفحص لناحية محاولة بناء تصوّرات حول المنتَج الخلدوني. تصورات تتيح فهم الأنساق والظروف التي أنتجت تلك المقدّمة الشهيرة أو نظرية «علم العمران البشريّ». نتحدّث عن إعادة تقييم لمجمل المفاصل الذاتية والموضوعية المتاحة، من المصادرة التاريخية المتنوعة حول النشاط السياسيّ العام والفكريَ المحدَّد لابن خلدون في مراحل حياته قبل اعتزاله في قلعة ابن سلامة الشهيرة، حيث قام بكتابة «المقدمة»، ومن ثمّ في ما يلي ذلك حتى وفاته. وهي ظروف لا يمكن إغفالها بالضرورة إذ هي تقدّم، بعكس مقاربات كثيرة لمنتج ابن خلدون، إفادات كثيرة في فهم هذا المفكّر وفي القدرة على تصور المباني النظريّة والعملانية التي ظلّت تدفعه في اتجاه بناءِ علم فارق عن سابقيه في الرؤية للتاريخ، ليس كتأريخ أو كبناء للأحداث، بل كعلم بالأسباب والعوامل التي تؤسس لواقعية الحدث من ضمن السياقي الزمانيّ العام.

يمكن لنا، بحسب هذه الدراسة، وابتداء من القرن التاسع عشر، أن نلحظ ثلاثة أشكال من القراءات لابن خلدون: ففي البداية قام باستثماره الفيلولوجيون الذين كانوا من أوائل من اكتشفه، ثم انتقل بعدها ليد المؤرخين، ليصير في النهاية مصدرا لعلماء الاجتماع والانتثروبولوجيا. ففي سنة 1810، قام عالم الفيلولوجيا الفرنسي الشهير سيلفستر دوساسي بتقديم المقتطفات الأولى من المقدمة في كتابه «مصر كما رواها عبد اللطيف». وحتى العام 1827، ظل التركيز قائما بشكل أساسي على المقدمة التي أثارت المقاطع العديدة المأخوذة منها حين نشرها الدهشة والإعجاب في فرنسا وفي أوروبا. ومع ذلك، فإن النص الكامل لم يوضع مباشرة بمتناول الجمهور، برغم اكتشاف وجود مخطوطة للمقدمة في مكتبة الملك. وفي سنة 1828، نشر المستشرق شولتز فصلا من كتاب العبر يتعلق بأصول البربر. وفي العام 1840، تمّ تحقيق وترجمة أول نصّ مهم لابن خلدون، وهو تاريخ البربر والدول الإسلامية في شمال أفريقيا. وتلاه بعد ذلك بقليل تحقيق وترجمة المقدمة، وصولا إلى خمسينيات القرن العشرين مع الترجمة الفارقة التي قام بها فرانتز روزنتال، والتي تعتبر أكثر الترجمات توازنا.

يتحدد الافتراق الخلدونيّ عن سياقات الانثروبولوجيا الحديثة، لناحية المجال الإبستيمي والمنظور التاريخيّ، في كون العمران البشري عند ابن خلدون يتمحور حول دراسة «المماثل»، مع التركيز على الحضارة الإنسانية منذ الخليقة، في حين كانت الانثروبولوجيا الأوروبية وبشكل عملي حتى النصف الثاني من القرن العشرين تعطي الأولوية لدراسة «الاختلاف» و «الغيريّة»، حين حددت موضوعها في دراسة المجتمعات المساة «متوحشة» أو «بدائية».

يعاكس صاحب «ابن خلدون من جديد، 1999» في هذه الدراسة انتقادات سادت حول ابن خلدون والمقدمة بكونها تحيل إلى نمط من التفكير المنطقي ذي المغزى الفلسفيّ التقليدي، إنما «الموارب» والمتخفيّ لدواعي الوضع الفلسفيّ العام الصعب في المغرب الاسلاميّ في القرن الرابع عشر. تتأسّس المعاكسة، في هذا الحيز، على ما تكشفه المقدمة ذاتها من مستويات تصنيف ابن خلدون للنمط الفلسفيّ التقليديّ في الرؤية إلى العلوم العقلية وموقعيتها في نظرية علم العمران. نتحدث عن نظريّة مهجوسة بتأسيس إطار الاجتماع ببعده الكونيّ في ما يتصل بالإنسان من خلال تحديد الضروريّ. و «الضرورة» بما هي اجتماع يؤسّس للحضارة والعمران ويدفع الفرد إلى تكوين السلطة بناء على محددات قابلة للتعميم.

في العمق، لم تنتُج مقدّمة ابن خلدون أو نظريته الفارقة من حاجة ايديولوجية داهمة أو من سياقات أكاديمية معرفيّة عامة في بيئة الغرب الإسلاميّ، بمعنى كونها حاجةً تجعل علمَ التاريخ، على نحو ما أراده ابن خلدون، عاكسا للابستيمية العامة السائدة. وهذا ما وضع الانثروبولوجيين الحداثيين الغربيين أمام حيرة في تشخيص المنتَج الخلدوني باعتباره في ما يحيل إليه تجاوزا للتقاليد والأساسيات العلمية النسقية الاغريقية – الاسلامية، وباعتباره، في الوقت نفسه، تأسيسا في مجال جديد سوف يمكن، مع بداية القرن التاسع العشر، إحالته إلى ميدان الانثروبولوجيا بمعناه الأوسع. نتحدث، في هذا الإطار، عن راهنية علم العمران الخلدوني، لا في قدرته النظريّة على بناء الأنساق التي تُدرج فيها عوامل صعود الحضارة وهبوطها فحسب، بل في منحاه التجريبيّ أيضا، وإن كانت لا ترقى إلى مستوى النظريّ.

] ابن خلدون، الإنسان ومنظر الحضارة، ترجمة حنان قصّاب حسن، 2016، المكتبة الشرقية، بيروت.