لا أذكر عاما خلَّف للعام الذي يليه ما يخلّفه العام المنقضي لعام آت بعده من قضايا خطيرة، بعضها بالغ التعقيد وبعضها مصيري أو بالأصح تاريخي. نماذج كثيرة تلك التي تستحق التوقف عندها، لكني أبدأ باختيار نماذج دولية وأمرُّ بنماذج إقليمية.

أولا: يجب أن نعترف أن الشعب الأميركي صدمنا بمفاجأة هزّتنا بعنف حين انتخب الملياردير ورجل العقارات الشهير دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة. وحين أقول هزّتنا فأنا أضع نفسي ضمن مليارات البشر الذين يتأثرون شاؤوا أم أبوا، وفي السلم كما في الحرب، بالسياسات والقرارات التي يتخذها رؤساء أميركا. أشهد، كمراقب، أنه خلال الشهور الأخيرة من الحملة الانتخابية استطاع هذا الرجل أن يفرض الارتباك على معظم أجهزة القرار في العالم. أبدع في تنفيذ مسلسلٍ جميعُ حلقاته رابطها الكذب. كذب في طرح النيات، وكذب في الاتهامات الموجهة إلى خصومه ومنافسيه، وكذب في الحلول المقترحة لمشكلات أميركا والعالم. استطاع أيضا أن يجمع في حكومة يشكلها شخصيات أثارت أشد القلق في الداخل كما في الخارج، قيل عنها إنها حكومة «عسكر» مطعّمة بأغنى أغنياء أميركا، أحدهم إذا تكلم فكلامه محسوب على روسيا وربما على فلاديمير بوتين شخصيا. بوتين مستمر معنا في العام الجديد ولا يمكن أن نتجاهل حقيقة أنه الزعيم الذي لا يخفي رغبته في أخذ ثأره من أميركا التي هزمت بلاده شر هزيمة وأخرجتها من قمرة قيادة العالم.

ثانيا: تيار العولمة يخترق حدود العام الجديد متكسرا على صخور عديدة. تخرج العولمة من العام المنقضي أقل تدفقا وأضعف قوة من تلك التي دخلت بها قبل عام. أما الصخور التي كسرت سرعتها فأكثرها من صنع العولمة ذاتها خلال العقود الأخيرة، أبرزها ظاهرة دونالد ترامب في صيغتها الأميركية وصيغها الأوروبية المتعددة. إذ كما أن لكل فعل رد فعل، كان للعولمة ردها. فبفضلها انتعشت الهويات الثانوية، وبانتعاشها تولّدت طاقة هائلة للانفراط، وطاقة متجددة للحقوق والحريات، وطاقة إضافية للمطالبة بالمساواة والعدالة الاجتماعية. هذه الطاقات وغيرها اجتمعت في وقت واحد، فانتفضت القوى المناهضة للعولمة والمتضررة منها. انتفضت في بلاد الإنكليز ضد عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، وتنتفض في اليونان وإسبانيا وفرنسا وهولندا والدانمارك وإيطاليا وتتجمع للانتفاض في ألمانيا والنمسا أو لتتمرد كما في بولندا والمجر. تبقى السيدة ميركل وحدها القلعة الصامدة وخط الدفاع الأخير عن العولمة في الغرب بأسره بل وفي العالم.

ثالثا: شهد العام الحالي حالة تكاد تكون قصوى من حالات الانسحاب الأميركي عن الفعل الدولي. العام نفسه شهد حالة تكاد هي الأخرى تكون قصوى بين حالات الاندفاع الروسي خارج الحدود. أتصور في الوقت نفسه أن الأسابيع الأولى من العام الجديد ستشهد خطوات من جانب روسيا لتثبيت إنجازاتها في الشرق الأوسط، خاصة في سوريا وتركيا وإسرائيل، ونقل جانب من طاقة الاندفاع إلى الجبهة الغربية للاستفادة من تداعيات أهم أزمة تواجه مسيرة الوحدة الأوروبية والحلف الغربي منذ عقود. على الناحية الأخرى، سيكون ترامب في أمسّ الحاجة إلى إجراءات وسياسات يدعم بها مواقعه الداخلية. الداخل الأميركي منقسم وسيبقى في حال استقطاب شديد لفترة غير قصيرة، ولن يجازف بالدخول في مغامرات خارجية أوسع من سياسات تنشيط الصناعة العسكرية، بأمل توظيف عمالة بيضاء ماهرة وكسب ودّ المؤسسة العسكرية وإعادة شحن قوى التشدّد والتطرف. لا ننسى أن لديه ضمانا رمزيا من فلاديمير بوتين بعدم إثارة مشكلات أمنية لأميركا في الخارج. لا أستبعد أن نرى جهودا حثيثة خلال الشهور القليلة القادمة من جانب الطرفين الأميركي والروسي للعمل على إرساء قواعد نظام دولي جديد ثنائي القطبية. نعرف أن لدى الدولتين «الأعظم» رصيدا لا بأس به من التعاون المشترك على امتداد عامين أو أكثر بحثا عن تفاهم حول الأزمة السورية. من غير الضروري على كل حال نشوب حرب باردة كشرط لقيام نظام قطبين، وكلاهما جرّب وضع الوفاق «غير المتأزم» كقاعدة لتعاون ثنائي، كانت خلال هذا المنقضي أقرب ما تكون إلى حالة تجريبية لنظام ثنائي القطبية.

رابعا: لا أرى بصيص أمل في أن تتحسن أوضاع الشرق الأوسط برمته في حال انتقلت أزماته ورموزه بأوضاعها الراهنة في عام ينقضي إلى عام آت. كان «الربيع العربي» دعوة موجهة من قلب التاريخ إلى شعوب وقادة الشرق الأوسط أن «انفضوا عنكم تراث التخلف وارفضوا القعود في انتظار خلاص لن يأتي وأنتم على هذه الحال». إن ما تعانيه حكومات وشعوب الشرق الأوسط منذ خمسة أعوام، مجسَّدا في انكسارات وأزمات عسكرية وصعوبات اقتصادية وتمرّدات سياسية واجتماعية، يعود السبب فيها كلها إلى الحملة الوحشية الناشبة في دول الشرق الأوسط كافة لاجتثاث الثورة من جذورها. أصبح واضحا أن الحملات المناهضة لـ «الربيع» والطاردة لغيره من تجارب الإصلاح والتغيير لم تفلح في استعادة التفاؤل، ولا يوجد مؤشر واحد يفيد بأنها قد تفلح في العام القادم أو الذي يليه. لا أرى اختلافا في حال العرب خلال الانتقال من عام إلى عام عن حال الأتراك وحال الفرس. مجمل هذه الأحوال لا يبشر بخير. لا أرى وراء الزحف الإيراني في أراضي العرب أملا في سلام إقليمي، ولا أرى وراء استمرار الهيمنة الإسرائيلية ودعم ترامب وأغنياء أميركا لها ولمستوطناتها وقلاعها العسكرية أملا في سلام حقيقي. لا أرى وراء «الدروشة» الأردوغانية بين التمسك بعضوية «الناتو» وطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ونيات التوسع والقيادة في العالم العربي والارتباط القوي بروسيا الصاعدة وسباق التسلح مع إيران، لا أرى وراء كل هذه الأمور أملا في سلام هادئ من دون اغتيالات واعتقالات. ولا أرى وراء إعفاء الجامعة العربية من مسؤولياتها في الأمن العربي وربما من مسؤوليات أخرى سنسمع عنها قريبا أملا في وفاق عربي قريب.

ليس كل المحمول من عام ينتهي إلى عام قادم سيئا. لا يمكن أن يكون. ربما كانت حمولة هذا العام بالفعل ثقيلة وقاسية بل ومتحاملة على الشعوب كافة، إلا أنها قد تكون الفرصة الدافعة لتتحرك هذه الشعوب وتنهض وتشارك في صنع مستقبلها.