من عبث السياسة في لبنان، أن الرأي العام لا يكوّن سلطة بل يصادق على وجودها. هذه السلطة تفترض قَبْليّتها وبالتالي استحقاقها لمواقعها، بمعزل عن صناديق الاقتراع التي تتحول إلى صناديق للاستفتاء وليس للمحاسبة. لذلك أقصى ما يستطيعه الرأي العام هو الشغب، وأقصى ما تستطيعه الصحافة هو تأليب الرأي العام على هذا الشغب دون طموح التغيير الجذري. إدراك السقف المنخفض لطموح التأثير ينطوي على إحباط يصاحب العاملين في «مهنة المتاعب»، ويجعلهم مدمنين على مصادر الإلهام غير التقليدية للاستمرار.

كيف سيكون مذاق القهوة الصباحية في لبنان دون «السفير»؟ لن يكون مختلفا على الأرجح. في الحقيقة، هذه القدرة العجائبية للبلد على تحمّل غياب جريدة سياسية عريقة بخفة مهولة تستدعي القلق. ربما، انتقلت ثقافة الوجبات الإعلامية السريعة من الفوز بالنقاط إلى الفوز بالضربة القاضية. في الأخير، بات أكيدا أن المتلقي المعاصر يرغب بقراءة أخبار من نوع «لن تصدق ماذا فعلت زوجة النائب الفلاني»، ويرغب أيضا بالتطفل على الرئيس الروسي في مكتبه (ومن لا يريد ذلك!). يضع هذا الصحف أمام خيارَين: إما أن تتحول إلى وجبات ورقية سريعة أو تأخذ قرار الموت. وبالنسبة للكثيرين، الموت هنا أفضل الخيارين.

السؤال هو هل أن مصير «السفير» محصلة منطقية للإصرار على الرصانة، الرصانة النسبية بالطبع، أم مجرد فشل في التأقلم مع متطلبات السوق؟ وفي حال أن المسألة تتعلق غالبا بمرونة مفقودة، يصبح لزاما على الرصانة أن تجد لنفسها شكلا رشيقا قادرا على المنافسة بتكلفة متواضعة. العالم اليوم لا يكتفي بالسرعة، إنه يتسارع باطراد. فكيف نتوقع أن يستطيع جيل عاصر بيروت الستينيات أن يدير مؤسسة في اقتصاد اليوم؟ يُستحسن أن نصرّ على الحكمة والخبرة اللتين تتأتّيان من نصف قرن من الصحافة وأن نطرح جانبا «التكلّس» الذي يصيب القاعدين طويلا على الكراسي الجلدية المبالغ فيها.

حين نودع «السفير»، فإننا لا نودع جريدة بل حقبة. وحين لا يتسع العام 2017 لـ «السفير»، فإنه لن يتسع أيضا لقرائها ومتابعيها الذين خلقتهم على شاكلتها، لن يتسع لهم بشكلهم الحالي على الأقل. يتطلب ذلك إدارة ورشة تحديث جذرية بحكمة، لأن الفشل في تقديم محتوى صحافي معقول بقالب معاصر يعني خسارة شريحة كبيرة من القراء لمصلحة الهراء.

ما حصل يشكل محطة حزينة للصحافة المكتوبة، لنأمل أن لا يعتاد الجميع على الإقامة فيها. نحن ندفع اليوم ضريبة عدم المبادرة منذ سنين طويلة لاتخاذ خطوات تحديثية معروفة جيدا لدى من لديه الحد الأدنى من الإطلاع على العلوم الإدارية. من المؤكد أن مكابدة الألم جراء التحديث كان سيكون أقل وطأة من مصير الموت الذي يلزمنا الآن.

ما العمل؟ على الجيل الحالي إثبات أن الصحافة كانت أكثر من شكلها، وأن هذه الصحافة قدمت مضمونا ذا قيمة مستقلة عن منصتها الورقية التي منحتها امتيازا حصريا، لم يعد موجودا الآن. أما وقد ولجنا عالم المنصات المجانية، فإن التحدي يكمن بالقدرة على الذهاب بالمضمون الصحافي المحترف إلى هذه المنصات المستحدثة. بالطبع، يجب القيام بذلك في عالم يبتعد عن الصحافة الورقية لمصلحة الصحافة الإلكترونية وعنهما لمصلحة الصحافة «البصرية». المهمة ليست سهلة على الإطلاق وليست مستحيلة بطبيعة الحال، ولنكون أكثر دقة، من المخيف تصور استحالتها.