ساعات فقط ويطفئ العام الجاري شمعته الأخيرة، فيدخل نفق التاريخ حاملا معه الحقائق الجديدة والتحوّلات الكبيرة التي صدّرها إلى مشرقنا العربي، وإلى العالم.

تسدل سنة 2016 ستارها على هذا المشهد المحبط والحزين: تقاسم المشرق العربي بين القوى الخارجية أصبح حقيقة واقعة، ولم يعد إشاعة أو مجرد احتمال.

انتقم «الاتحاد السوفياتي» الجديد بكفاءة وشجاعة من كيسنجر والسادات اللذين أخرجاه من مصر، بعد أن دعمها وساعدها على التقاط أنفاسها إثر هزيمة 67 النكراء. وردّ الصاع صاعين للغرب الذي أكمل إخراجه من الشرق الأوسط بعد التطوّرات العراقية ثم الليبية. اعتمد الأميركيون المناورة والغدر والدهاء لإخراج الروس من المنطقة، فاختار فلاديمير بوتين العودة عبر المواجهة الواضحة والقوّة المعرّاة.

ولكن القيصر الجديد، على خلاف الغرب وأساليبه الجشعة، يترك لكل طرف حصّة، ويقبل بتقاسم أرض العرب مع الآخرين.

فهو يترك للأميركيين مساحات واسعة خارج «المنطقة المفيدة». يعرض عليهم «شرف» قتل الوحش الداعشي الذي خلقوه هم بالتواطؤ مع الأتراك، واحتلال الأرض التي ساعدوه على تملكها. إنه يسمح لرجب طيّب أردوغان بالتوغّل في سوريا واحتلال أجزاء من مناطقها الشمالية، والقضاء، في طريقه، على الحلم الكردي بالاستقلال والدولة المسقلة.

لكن الصفقة تقضي بأن يدفع أردوغان الثمن، وهو أن يغدر بالسوريين، وغير السوريين، الذين جهّزهم وسلّحهم وموّلهم حتى استولوا على الانتفاضة وعزلوا القوى والشخصيات السورية الطامحة بإخلاص إلى تغيير ديموقراطي في دولة مدنية.

الاعتراف، أو الإعجاب، بنجاح بوتين لا يحجب الوجه الآخر للحقيقة: لقد أصبح المشرق العربي ممزقا بين القوى الأجنبية وفقد حلم الوحدة إلى أمد طويل، ربّما إلى حين استعادة مصر دورها العربي الذي فقدته منذ نصف قرن. وبموازاة ذلك فإن الفكرة الوطنية لم تعد ملائمة في زمن التقسيم والتفتيت. لقد حلّ محلّها، بسرعة وكفاءة، التعصّب الديني والحقد المذهبي وإشهار الأفكار الظلامية التي تكرّس الطلاق بين العصر والعرب...

& & &

ساعات ويطفئ العام الجاري شمعته الأخيرة. إنها الساعات نفسها التي تسبق إقفال «السفير» وغياب شعاعها المنير، الذي رفض أن يبهت أو يختفي، فيما الأمّة تحتضر شيئا فشيئا وتغرق في غياهب الظلام.

كيف لا تقفل «السفير» أبوابها وتمتنع عن الصدور؟

بات العالم كله يعرف أن الصحافة المكتوبة تواجه أزمة وجود، في كل مكان على وجه الأرض. ولكن أزمة الصحافة شيء ومحنة «السفير» شيء آخر.

«السفير» ليست بمنأى عن أزمة الصحافة وأسبابها، لكن محنة «السفير» أعمق جذورا وأوسع مدى. فقد كرّست الجريدة حياتها لتكون صدى العروبة في لبنان، ولتكون صوت حركات التحرّر والاستقلال العربية، وصوت فلسطين. لكن العروبة اختنقت على مرّ السنين وتلاشت القوّة الداعمة لقضاياها، وصار الشعب الفلسطيني يتيما. مع ذلك بقي صوت العروبة في لبنان صادحا ومغرّدا، لأن «السفير» لم ترفع الرايات البيضاء.

بنى طلال سلمان من خلال «السفير» صرحا للعرب وقضايا العرب، وبات هو، بشخصه، واحدا من أبرز أقطاب الصحافة العربية، في عصرنا وعصره. لا عجب في ذلك، فلطالما كان لبنان مدرسة تصدّر عمالقة الصحافة والرأي إلى العالم العربي، روّاداً يرشدون العرب إلى دروب النهضة والتنوير عندما تبلغ الأزمة القومية حدّها ويسود الظلام والسكون.

فماذا تفعل «السفير» في «زمان الطائفية»؟ في زمن الاستسلام، ليس الاستسلام لضياع هذه الأرض العربية أو تلك، بل ضياع روح العرب وعقلهم وقلبهم.

ولا يخفى على متابعي مسيرة «السفير» عن كثب حجم المعاناة التي عاشتها الجريدة مع محبّيها عندما تجاوزت المجال الزمني للمرحلة الوطنية، ودخلت قسرا في قلب المجرّة السوداء.