أثبتت السياسة النقدية المعتمدة على الاستقرار النقدي وتثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، في العقدين الاخيرين، جدواها ونجاحها، اذ تمكنت من الحفاظ على الاستقرار النقدي، وتطوير القطاع المصرفي وتحديثه، ولجم التضخم، وطمأنة المستثمر، وخفض معدلات الفوائد، والحفاظ على مدخرات المواطنين، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتوفير مصادر التمويل المرتفعة للعجوزات في المالية العامة.

وقد نجحت هذه السياسة أيضا في تحقيق هذه الإنجازات برغم الأحداث التي شهدها لبنان في هذه الفترة، وهي أحداث مالية تتعلق بالأزمة المالية العالمية، أزمة الديون السيادية الاوروبية، ومؤخرا أزمة النازحين السوريين وكلفتها المرتفعة، إضافة الى أحداث سياسية وأمنية محلية وإقليمية أبرزها اغتيال الرئيس رفيق الحريري، العدوان الاسرائيلي، الازمة السورية، الاضطرابات في المنطقة، والفراغ الدستوري.

تظهر ايجابيات السياسة النقدية في العقدين الاخيرين من خلال:

1- الحفاظ على الاستقرار النقدي: أظهرت سياسة التثبيت النقدي جدواها وقدرتها على جبه التحديات التي مرّ بها لبنان، وفي الحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي، وعلى أموال المودعين، وعلى ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.

كذلك أظهرت نجاحها في تعزيز احتياطات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية من حوالي مليار دولار في نهاية عام 1992 الى حوالي 40.26 مليار دولار في نهاية 2016 اضافة الى نجاحها في استعادة الليرة جزئيا دورها في التداول وخفضها دولرة الودائع من 80 في المئة عام 1993 الى 65 في المئة، وإطالة أمد سندات الخزينة بالليرة من 5 سنوات الى 15 سنة. وقد جرى ذلك عبر حث المصارف على منح التسليفات بالعملة الوطنية (قروض مدعومة من مصرف لبنان بقيمة تفوق الملياري دولار) وتشجيعها على الاكتتاب بسندات الخزينة بالليرة اللبنانية لآجال طويلة، وتحقق ذلك بعد إثبات الليرة مناعتها وفك ارتباطها بالاحداث الامنية والسياسية.

2- الحفاظ على استقرار الفوائد: تمكنت السياسة النقدية لمصرف لبنان في خفض معدلات الفوائد تدريجياً، إضافة الى خفض كلفتها الاقتصادية والمالية للقطاعين العام والخاص. فانخفضت الفائدة على الليرة انخفاضا ملحوظا من حوالي 27 في المئة في عام 1993 الى حوالي 8 في المئة حاليا، وعلى الدولار الاميركي من حوالي 13 في المئة الى حوالي 6.5 في المئة، برغم سياسة الدولة التوسعية في الإنفاق وتسجيلها عجوزات مالية تجاوزت 11 في المئة من الناتج المحلي.

كذلك تمكنت السياسة النقدية من خفض كلفة الاستدانة للقطاع الخاص عبر منح قروض مدعومة للقطاعات الزراعية والصناعية والسياحية والسكن تفوق قيمتها 5 مليارات دولار.

3- تطوير وتحديث القطاع المصرفي: نجحت السياسة النقدية في تطوير القطاع المصرفي وتحديثه وتنقيته، وفي تعزيز موقعه الاقليمي والدولي، وفي تحصينه في جبه المخاطر الداخلية والخارجية. فأصدر مصرف لبنان التشريعات والتعاميم التي تشجع المصارف على الانتشار والتوسع الخارجي، والتي تسهل عمليات الاندماج والاستحواذ (33 عملية)، والتي تمنعها من الانكشاف على التوظيفات ذات المخاطر العالية، كما اتخذت الإجراءات لمعالجة مشكلة المصارف المتعثرة من دون تكبّد المودعين خسائر مالية.

ارتفعت موجودات القطاع المصرفي من 13 مليار دولار في عام 1993 الى حوالي 200 مليار دولار في نهاية عام 2016 أي بزيادة 13 ضعفا، لتشكل 3.5 ضعف حجم الاقتصاد، وارتفعت ودائع القطاع المصرفي من حوالي 9 مليارات دولار الى حوالي 162 مليار دولار، أي بزيادة 23 ضعفا، والتسليفات للقطاع الخاص من 3 مليارات دولار الى 55 مليار دولار أي بزيادة 18 ضعفا.

4- لجم معدلات التضخم: تمكنت السياسة النقدية من لجم التضخم التي تراجعت من حوالي 100 في المئة في عام 1992 الى أقل من 1.5 في المئة في نهاية العام الحالي.

5- تحفيز النمو الاقتصادي: لعب مصرف لبنان دورا محوريا في تحفيز الاقتصاد في السنوات الاخيرة من خلال منح قروض مدعومة ومخصصة للقطاعات الانتاجية، والبيئة والسياحة، ومن خلال تشجيع المصارف بالمساهمة في رأسمال الشركات الجديدة والناشئة المتعلقة باقتصاد المعرفة.

في المقابل، تطرح في مواجهة سياسة تثبيت سعر صرف الليرة الملاحظات الآتية:

1- المغالاة في معدلات الفوائد لجذب التدفقات المالية لتغطية العجوزات المرتفعة في المالية العامة، ولتثبيت سعر صرف الليرة. كما أدت سياسة الفوائد المرتفعة الى توجه الأموال نحو التوظيفات المالية بدل التوظيفات في القطاعات الإنتاجية، والى ازدياد ربحية القطاع المصرفي، والى تسارع تراكم الدين العام وارتفاع كلفته.

2- ارتفاع سعر الصرف الحقيقي لليرة: تقلص القدرة التنافسية للقطاعات الانتاجية، إذ تؤدي الى ارتفاع كلفة الانتاج وتراجع الصادرات كما انها تتسبب بإقفال المؤسسات وصرف العمال.

3- عدم اهتمام السياسة النقدية برفع معدلات النمو الاقتصادي أو بالتنمية المستدامة.

4- بقاء الدولار وسيلة الدفع الاساسية في التداول وفي الايداع (65 في المئة من اجمالي الودائع) إضافة الى تغييبها سوقي القطع والفوائد.

وعندما ننظر الى تبعات القرار المصري الاخير بـ «تحرير سعر صرف الجنيه» من أجل الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار ولتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد وجذب الاستثمارات، يمكن رصد الآتي:

* تدهور كبير للعملة المصرية مقابل الدولار لأكثر من 120 في المئة خلال الاسابيع الماضية من 8.85 جنيهات للدولار الى 19.25 جنيها، وارتفاع جنوني لأسعار السلع الرئيسية المستوردة (المشتقات النفطية، الخبز، القمح)، وارتفاع لمعدلات التضخم، وخسارة المودعين لأكثر من 50 في المئة من إيداعاتهم، وتصاعد لمعدلات الفوائد، وانخفاض القيمة الحقيقية للاجور التي طالت بشكل رئيسي الطبقة الفقيرة والمحدودة الدخل.

لذلك، لا بد من القول: نعم لتثبيت سعر صرف الليرة لان «سياسة التعويم أو تحرير سعر صرف الليرة» في الظروف الحالية قد تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتؤدي الى تدهور كبير للعملة الوطنية، والى ارتفاع جنوني لأسعار السلع المستوردة اذ إن لبنان يستورد 75 في المئة من احتياجاته، والى خسارة هائلة لمدخرات المواطنين وخصوصا الطبقة المتوسطة والفقيرة.

وفي الوقت عينه، فإن سياسة التعويم لن تحسّن القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية لأنها تحتاج الى تطوير وتحديث وتغيير في نمط منتجاتها، ولن تخفض معدلات الفوائد لان احتياجات الدولة السنوية بالعملات الاجنبية (حوالي 4 مليارات دولار) ومستوى عجزها في المالية العامة مرتفع جدا.

وأخيرا تحتاج السياسة النقدية لان تواكبها وتنسق معها سياسة مالية فعّالة ومنتجة تضبط العجز وتحفز النمو وتقوم بالإصلاحات.