لم يكن عضواً مستوراً في حركة فتح، بل كان، من خلال فتح، عضواً في حركة النضال من أجل تحرير فلسطين. كان مطراناً للقدس، فلم تستغرقه أحوال الناس ومصاعب أيامهم وحدها، بل سعى، بما ملكت يمينه، إلى تحرير الناس من الاحتلال. وفي سبيل هذه الغاية لم يتورع عن نقل السلاح إلى فتح بسيارته المرسيدس، مغامراً بزيّه الديني قائلاً: «أنا عربي من القدس أعاني كما المسيح في سبيل السلام والعدل (...). ليبعدوني، وعندها سأقيم في خيمة مع اللاجئين على حدود فلسطين»... وعندما صدر الحكم عليه بالسجن اثني عشر عاماً في 23/9/1974 قال: «بصقوا عليّ في السجن، لكن رأسي سيظل مرفوعاً وعالياً (...) وستظل القدس مهد المسيحية حرة إلى الأبد على الرغم من أفعالهم، وهي مدينة عربية، ولا يمكن تطبيق القوانين الإسرائيلية عليها».

أبعدته السلطات الإسرائيلية عن فلسطين في 6/11/1977 على أن يبقى خارج البلاد، وأرسله الفاتيكان الى أميركا اللاتينية مع احتفاظه بلقبه الأثير «مطران القدس». ولأنه مواطن سوري، فقد خلّف وراءه أميركا اللاتينية، وأقلّته طائرة إلى دمشق مباشرة. ومنذ ذلك الوقت لم يكف عن محاولة العودة إلى فلسطين، فسافر على متن «سفينة الأخوة» اللبنانية في 4/2/2009 لكسر الحصار عن قطاع غزة ودعم المحاصرين فيه. واعتقلته القوات الإسرائيلية مجدداً، وأبعدته ثانية إلى سوريا عبر بوابة الجولان. وفي 31/5/2010 اعتقلته السلطات الإسرائيلية حين كان على متن أحد زوارق «أسطول الحرية» الذي كان متجهاً إلى غزة لفك الحصار عنه، وتعرض مثل بقية مرافقيه لرصاص الإسرائيليين، ما أوقع بعض الشهداء الأتراك، وأبعد إلى الأردن، فعاد إلى سوريا.

&&&

ولد المطران إيلاريون كبوجي في حلب سنة 1922، وسيم كاهناً في سنة 1947، وانتخب في سنة 1962 رئيساً عاماً للرهبانية الباسيلية الشويرية. وفي سنة 1963 عُين رئيساً عاماً للرهبانية الحلبية، وأصبح مطراناً في 6/11/1965 وعُين رئيساً فخرياً لأساقفة قيصرية في فلسطين، وفي الوقت نفسه نائباً بطريركياً عاماً للروم الكاثوليك في القدس. وعندما سقطت القدس في 7/6/1967 كان بصماته واضحة على المنشورات المعادية للاحتلال، وعلى اللافتات التي ارتفعت بأيدي المتظاهرين.

عشية عام 2017 رحل مطران القدس في روما، فيما مدينته حلب ما برحت تعاني الدمار والإرهاب والخوف. وعلى الأرجح لن يستطيع هذا الفدائي أن يُدفن في مدافن الفلسطينيين في جبل الزيتون، ولا في إحدى حارات حلب العتيقة، لكنه من دون شك سيبقى منفرداً في مكانه، أي في قلوب جميع الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والعرب وأبطال الحرية في العالم كله.