كان لديّ ما يجعل موتي لطيفاً. كنت أتخيله على صفحات «السفير». كتبت وصية لم أعلنها: «فليتبرع أحدكم ويقرأ فوق رأسي نصوصاً كتبها بعض من يحبونني في الجريدة التي عشت فيها ولها، ولا بأس أن تلحدوني بها».

لا أخفي أني فكرت في صور رحيلي، أي واحدة سيختارون؟ وكنت ألوم نفسي لأني لم أودع الإدارة واحدة حلوة. مع «الفايسبوك» ذهب هاجسي هذا، قلت ستتبرع لينا الجميلة وتنتقي من عشرات صور حسابي أجملها، وارتاحت نفسي.

قبل الموت كنت أخطط، ولم تكن أسعار الشقق قد ارتفعت بعد: سأرتاح يوماً وأبتاع شقة في الحمرا، سأسكن قرب «السفير» التي أقضي فيها نهاراتي وجزءاً كبيراً من ليلي. سألتصق بها حتى جغرافياً. مع غلاء الأسعار انتقلت إلى الخطة ب: عندما أنهي تعليم جاد ورام، سأستأجر «استوديو»، وإن بغرفة واحدة في الحمرا، قربها، هناك حيث يدور عمري.

كنت تلك الصغيرة في جرود الهرمل وكانت في بيروت التي لم أزرها إلا مرتين قبل أن آتيها طلباً للعلم. كانت الإعجاز الذي لم أحلم يوماً بالوصول إليه حتى في أكثر أحلامي جنوناً وأنا أختار الفرع الأدبي لأدرس الصحافة.

في كلية الإعلام كان زملائي يسعون للتدرب هنا وهناك، وكنت أنا متلهّية في العمل لتأمين مصاريفي. فقط كنت آخذها بين يدي في مكتبة الجامعة، أمعن النظر في أسماء كتّابها وأحسدهم، وأتخيل وجوههم، وخصوصاً إحساسهم وهم يرون أسماءهم فيها.

كان قلبي يرتجف كلما سمعت أحدهم يقول «ما بيلاقي شغل إلا يلي عنده واسطة»، وكان حلمي يغور بعيداً. كيف لي بـ «بالواسطة» وأنا وحيدة تائهة في العاصمة التي لا أعرف إن كان أهلي قد زاروها إلا للتطبب من عارض صحي عصت عنه مستشفياتنا الفقيرة. كانت علاقاتي تقتصر على زميلاتي في نزل الفتيات في عين المريسة، ووجوه رفاق الدرب في حافلات النقل العام، وأهالي التلامذة الذين أقضي أمسياتي في تعليمهم دروساً خصوصية. آه، نسيت، ايضاً أصحاب أكشاك القهوة على البحر الذين كنت ألتقيهم في طريقي إلى جامعتي في الكولا من عين المريسة أو العكس، عندما لا أملك 250 ليرة بدل النقل في الباص.

وتجرأت. نعم قصدت مكاتب «السفير» في الحمرا، وتحديداً الطابق السادس، هناك حيث مكتب رئيس تحريرها طلال سلمان. وقفت أمام ديانا وطلبت موعداً منه. اتصلت به وسألته طلبي «في بنت اسمها سعدى علوه بدها تشوفك، تقول ان المسألة شخصية». كاد قلبي أن يتوقف عندما قالت لي «عودي غداً عند الخامسة مساء». وعدت.

من دون مقدمات قلت له: من الآخر، أنا من الهرمل وما بعرف حدا، اليوم أنهيت امتحان سنتي الرابعة صحافة، يقولون ان لا عمل من دون واسطة، ليس لدي واسطة، لا أريد سوى فرصة للتدرب في هذه الجريدة، سأكون سعيدة إذا أتيحت لي فرصة العمل بها، وإلا فإني أكتفي بالتدرب». وقبل أن يحكي كلمة واحدة أضفت «نسيت قلك انه بالعشر سنين الجايين ما رح اعمل شي بحياتي غير الصحافة».

ضحك طلال سلمان من قلبه. رأيت ذلك في عينيه. قال رح تتدربي، إن كنت كفوءة بتاخدي فرصتك وإلا رح قلهم يرموك خارج الجريدة من دون ان أرى وجهك حتى». وبدأ امتحاني. عشت السنوات الـ23 الأخيرة من عمري وأنا أحاول أن أثبت له جدارتي، وما زلت حتى كتابة هذه السطور.

كيف لي أن أعرف غير «السفير»؟

هنا تعلمت حرف الصحافة وروحها وما زلت. هنا أعدت صياغة علاقتي بالناس وقضاياهم. هنا تعززت يساريتي وعروبتي وفلسطينيتي. هنا موضوعي الأول وصورتي الأولى. وهنا ابتعت لنفسي فستاناً جميلاً عندما قرأت اسمي للمرة الأولى على صفحاتها. هنا عشت كل يوم تحد جديد لإثبات نفسي، لأكون جديرة بمسؤولية القلم الذي مُنحت. هنا أعرف أني لم أكن أنا لولاها.

في تفسير الموت يعتبر كثر أنه من الطبيعي أن يودّع الأبناء أهلهم وليس العكس. معها كنت أنتظر منها أن تواريني في الثرى، لتربّي وتعلّم من يأتي بعدي. أعرف أن وداعها ليس شأناً خاصاً، هو عام وجارح وحقيقي كحد السيف، لكن ذلك يضاعف الوجع ولا يخفف منه.

تقول معالجتي النفسية إن أحد بوادر الانهيار هو ما يسمى بـ «اليويو»، صعود مناعتنا النفسية وهبوطها. وتقول أمي إن المرأة عندما تودّع رجل حياتها يجب ألا تنكشف على رجل آخر.

وروحي تذوي أقول إن «السفير» رجل حياتي وإن أمي على حق، وحين ترتفع وأنا أحضنها، أقول هي مدرستي وجامعتي ومنحتني شرف التعلم فيها، وآن أوان الخروج بزادي إلى المهنة. لي أن أتخيلها تمسك بيدي عند عتبتها، تماماً كما فعل أهلي عندما أرسلوني إلى بيروت، وتهمس لقد قمت بما عليّ، آن لك أن تستقلّي عني. سيبقى طلال سلمان في الطابق السادس في مبنى «السفير»، وسأعود إليه دائماً، تماماً كما أفعل مع بيت أهلي.

أما الآن فلنغيّر الوصية: لا تحفروا على قبري تاريخ ميلادي، فقط اكتبوا «كان لها شرف العبور في «السفير».. ووجع وداعها»..لا شيء آخر.