أصدرت «السفير» عددها الأول في 26 آذار 1974، في ظل أجواء تفور بحماسة التغيير نحو الأفضل، بتجديد النظام، داخلياً، ليكون في خدمة شعبه لا حكامه، ورفض التفريط بدماء شهداء الجيشين المصري والسوري في حرب تشرين ـ رمضان 1973، وتعزيز الالتفاف حول المقاومة الفلسطينية التي كانت قد استقرت، بقيادتها وفصائلها في لبنان، باعثةً روحاً جديدة في الحركة الوطنية التي رفدتها بالدعم المعنوي فضلاً عن المقاتلين.

كانت رياح المطالبة بالتغيير والتصدي لمناخ الهزيمة الذي أشاعه تخلي الرئيس المصري أنور السادات عن الموجبات الوطنية والقومية وطرحه مشروع الصلح مع العدو الإسرائيلي تجتاح الشارع، ترفدها المطالب المعيشية والاجتماعية المتراكمة من دون أن تجد من يحققها.

وليست مصادفة أن تختار «السفير» لعددها الأول حواراً مع قائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات، وأن تكون صورة العدد الثالث لمسيرة الرغيف التي ملأت جماهيرها شوارع بيروت، وأن تتخذ ـ بشكل واضح وثابت ـ نهج الاعتراض على النظام الطوائفي وأهله الفاسدين.

كانت أسرة تحرير «السفير» كتيبة مقاتلة، تلاقت فيها نخبة من الصحافيين المميزين الذين يرون في الصحافة منبراً للمطالبة بالتغيير، ومنصّةً فكريةً طليعيةً للكتّاب والشعراء والبحّاثة أصحاب الأفكار النيّرة التي تساهم في رسم الطريق إلى الغد الأفضل.

كان في الأسرة مهنيون متميزون من مختلف الدول العربية، إضافة إلى مجموعة مقاتلة من الزملاء اللبنانيين، ارتباطهم الأصلي بما يؤمنون به من أفكار وقيم، ولاؤهم للأمة والوطن، أي الناس: ابراهيم عامر، حلمي التوني (من مصـر) بلال الحسن وتوفيق صرداوي (من فلسطين) والمبدع سعدالله ونوس (من سوريا)، أما اللبنانيون فكانوا من جيلين أو ثلاثة: ميشال حلوه وياسر نعمه وأسعد المقدم ومحمد مشموشي وشوقي رافع وباسم السبع وراشد فايد ووليد شقير وفيصل سلمان ومحمد شقير وعصام الجردي وعدنان الحاج ويوسف برجاوي وكتيبة من الصبايا الجميلات والطامحات إلى التغيير بينهن: نجاة حرب والراحلة فاديا الشرقاوي ووداد ناصر وإيمان شمص وناجية الحصري وناهدة منصور وزينب حسون (وكل من انضم إليهن) الخ..

وكانت مكاتب «السفير» مقارّ مؤقتة للاتحاد الوطني لطلبة لبنان (المرحوم أنور الفطايري ومن معه) وكذلك لحركة الوعي (عصام خليفة ومن معه) وللاتحاد العام للعمال (ياسر نعمه ورفاقه)، كما كانت غرفها القليلة تضج باللقاءات والمناقشات والخلافات والاختلافات بين الطروحات اللبنانية والعربية والأممية الخ..

بعد سنة واحدة من صدور «السفير» بدأت تطل علينا نذر الحرب الأهلية، وكان أخطرها اغتيال المناضل المميز معروف سعد في صيدا.. ثم تصاعدت التوترات إلى أن انفجر الوضع عبر الكمين في عين الرمانة الذي استهدف «بوسطة» تقل مقاومين فلسطينيين عائدين من مهرجان في الطريق الجديدة إلى مخيمهم في تل الزعتر.

كان الوضع السياسي يعاني من الشلل، والحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط في موقع الحليف للمقاومة الفلسطينية، ودمشق تحاول أن تلعب دور الراعي والمتابع بقلق للتطورات الدراماتيكية .. تُقدم أرض لقاء بين الأطراف المختلفة، وتلعب دور الناصح، ثم «المتدخل» كقوة فصل.. إلى أن صدر القرار العربي بإنشاء قوات الأمن العربية بقيادة مصرية بداية، ثم فرض العديد أن تكون أكثر القوات سورية، وأن تظل القيادة لعسكري لبناني (اللواء أحمد الحاج، بداية).

حان موعد الانتخابات الرئاسية، وفاز المرحوم الياس سركيس (المرشح العتيد للرئيس الراحل فؤاد شهاب) في ظل هدنة قصيرة تخللت حالة الحرب التي لم تتوقف إلا بعد دخول القوات السورية إلى بيروت وسائر المناطق.

عاشت «السفير» فترة تحت الرقابة العسكرية، وقد تولاها ضباط من الأمن العام، تكشّف جهلهم ببعض البديهيات (الحديث الشريف مثلاً، أو حتى آيات من القرآن الكريم) ما مكّن من التسلي بجهلهم في أعداد كثيرة من «السفير»، تجلت فيها عبقرية شوقي رافع في تدبيج جمل فصيحة معتقة تمنع الرقيب من حذفها.. كما استعنّا بتصريحات لسماحة المفتي الراحل حسن خالد وسماحة الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين، لتمرير كثير من المواقف التي كان سيمنعها الرقيب بالتأكيد لو أنها كانت بلا غطاء.

استمر الوضع في التدهور.. وتحولت العاصمة إلى خطوط تماس، وعُزلت المناطق بعضها عن بعض، وسيطرت الميليشيات على بعض مفاصل التواصل البري، ومنعت «السفير» في كل مناطق سيطرتها بدءاً من بيت الكتائب في الصيفي وحتى جسر البربارة، مدخل الشمال، فكان على «السفير» أن تقصد طرابلس عبر البقاع ـ عكار، لتصل مساء إلى قرائها هناك.

في الرابع من حزيران 1982 اجتاحت قوات العدو الإسرائيلي الجنوب والشوف وصولاً إلى بيروت، وتمددت في شرقها خاصة، متحاشية في البداية قلبها والضاحية النوّارة التي طوّقتها، أول الأمر، ثم دخلتها بالنار.

كنت في باريس للاطمئنان إلى عائلتي التي هجرتها بعد ثلاث محاولات لتفجير البيت.. ولم أجد وسيلة للعودة من دون المرور على حواجز العدو الإسرائيلي..

ومن مفاخري شخصياً، أن أسرة «السفير» بقيادة بلال الحسن وميشال حلوه وياسر نعمه وباسم السبع وفيصل سلمان وشوقي رافع ومحمد مشموشي والكثير من المحررات والمحررين والمخرجين والمنفذين والإداريين وعمال الصف والطباعة ومسؤول التوزيع، ظلوا يداومون ويصدرون «السفير» متوّجة بلوحات خالدة للفنان العبقري الراحل ناجي العلي، أشهرها: صباح الخير.. يا بيروت.

توليت مهمة «المراسل الحربي» من باريس.. وكنت أزوّد «السفير» بأخبار الضاحية والمواجهات بين رجال المقاومة الوطنية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، معززة بالتحليلات والتعليقات التي تنشرها الصحف الفرنسية.

انتُخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية تحت الاحتلال الإسرائيلي وبضغوط مباشرة منه، بعد رحلات ولقاءات عدة عقدها الراحل في بعض المدن الفلسطينية المحتلة... لكنه لم يتمكن من تسلم موقع الرئاسة إذ اغتيل قبل موعد التنصيب. وفي تلك الظروف الاستثنائية دبّر الإسرائيليون بالتواطؤ مع بعض الأطراف اللبنانية مذابح مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين فذهب ضحيتها أكثر من ألف وخمسمئة امرأة وعجوز وصبية وطفل. ثم تم «انتخاب» شقيقه أمين الجميل، وفي ثكنة الفياضية أيضاً، وبحراسة الحراب الإسرائيلية. ودخلت الحرب الأهلية طوراً جديداً، بعد إجلاء قوات منظمة التحرير الفلسطينية عن الأراضي اللبنانية، وابتعاد القوات السورية عن معظم المناطق التي اجتاحتها القوات الإسرائيلية بعد معارك مشرّفة في العديد من المواقع.

لكن الحرب الأهلية لم تنته وإن هي دخلت طوراً جديداً، لعله الأشرس والأعنف.. خصوصاً وأن حكم أمين الجميل قد ورّط البلاد في «اتفاق 17 أيار» 1983 مع العدو الاسرائيلي، وبات لمقاومة اتفاق العار هذا حتى إسقاطه دلالات وطنية وقومية عظمى تستحق التضحية بالغالي والنفيس...

دخلت السعودية على الخط، وساعدت سوريا في إقناع مختلف الأطراف والقوى على قبول الجلوس إلى طاولة حوار ومساعدة الأفرقاء في لبنان على الوصول إلى حل سياسي، فكان مؤتمر جنيف أواخر 1983. في هذه الأثناء وضمن هذه الأجواء المحتدمة وقعت انتفاضة 6 شباط، ففتحت الأفق لتغيير جدي في بنية الحكم وفي هوية نهجه. وكان لهذه الانتفاضة تأثيرها في سياق التفاوض حول طبيعة النظام الذي ظل أهله يقاومون التغيير. وهكذا انتهى مؤتمر لوزان الذي انعقد في ربيع 1984، بلا نتائج محددة، اللهم إلا تشكيل حكومة جديدة غيّرت قليلاً في هيكلية الإدارة وقيادة الجيش.. وصولاً إلى مؤتمر الطائف الذي أرسى صيغة الحل السياسي العتيد.

بعد الاجتياح الإسرائيلي ونتيجة له كان على معظم الزملاء والكتّاب المبدعين غير اللبنانيين العاملين في «السفير» أن يتركوها.. وبالتالي وجدنا أنفسنا ملزمين بإعادة صياغة الأسرة معتمدين الآن على الأركان وجيل الشباب من أبناء المهنة والراغبين في الانتماء إليها من الشبان والشابات.

على أن رصيد «السفير» الممتاز أمدّها بطاقات جديدة ممتلئة حماسة واستعداداً للتعب فأكملت الرحلة في قلب الصعب.

بعد سنوات سيعود جوزف سماحة من باريس، وسينضم الينا الكاتب الذي هجر الدير إلى العلمانية، صاحب القلم المشرق نصري الصايغ ليشكل إضافة نوعية إلى «السفير».. التي ظلت «على الطريق» لم تخرج عنه.. والتي زادتها توهجاً رسوخاً محاولة اغتيال طلال سلمان فجر 14 تموز 1984 وهو عائد إلى بيته من زيارة لم يكن «مخططاً» لها «للشيخ» رفيق الحريري في عمارة في شارع فردان، وقد كان لها رد فعل عكسي، اذ وقف اللبنانيون جميعاً إلى جانب «السفير» مستنكرين الجريمة، محتضنين «السفير»، صوت الذين لا صوت لهم.

وغادرنا جوزف سماحة، بعد حين مرة أخرى ليعود مجدداً إلى «السفير» في عام 2002، كرئيس للتحرير... وهو قد أعاد صياغة «السفير» مفيداً من تجربة غربته في فرنسا وبريطانيا فجدد في إخراجها وأبوابها، وأدخل إلى أسرة تحريرها فريقاً شاباً، ما عزز انطلاقتها الجديدة ومكانتها لدى قرائها، ورصيدها بامتداد الوطن العربي.

... وهو قد أضاف أبواباً جديدة وصفحات الشباب والعلوم والفن (صوت وصورة)، ووفر فرصة التقدم لتحمل المسؤولية فتولى خالد صاغية مسؤولية الشباب.. ثم أصدرت «السفير» ملحق فلسطين بقيادة صقر أبو فخر وبعده سحر مندور المميزة روحاً وإنتاجاً. وبعد أربع سنوات غادرنا جوزف سماحة، مرة أخرى، ليصدر مع زميله في «السفير» ابراهيم الأمين جريدة «الأخبار» عام 2006.

أتاحت الحرب الإسرائيلية على لبنان بعنوان مقاومته البطولية 2006 الفرصة لان تؤكد «السفير» دورها كجريدة مقاتلة، عبر تغطيتها لميدان المواجهات وضحاياها من المدن والقرى والأهالي نساءً وشيوخاً وأطفالاً وبيوتاً على امتداد الجنوب وبعض إقليم الخروب وصولاً إلى الضاحية وقلب بيروت مع تدمير الجسور ومحاولة تعطيل الحركة على الطرق الرابطة بين المناطق أو بين لبنان وسوريا.

وكان قد انضم إلى أسرة التحرير عدد من المحررين الممتلئين حماسةً واستعداداً للسهر ولبذل الجهد لإنتاج مميز أبرزهم حسين أيوب الذي سيتقدم ليصبح «المحرر السياسي»، ثم مديراً للتحرير، مسؤولاً بشكل خاص عن المحليات مع تدخل مهني مشروع في الصفحات السياسية الأخرى (لا سيما العربية) التي كان قد تولى مسؤوليتها بعد سنوات من الجهد والخبرة خليل حرب.

ويحق لحسين أيوب أن نشهد له بصلابة الموقف وقوة الأعصاب، فهو ابن الشهيد الذي قضى في مقاومة العدو الإسرائيلي 1972، وابن الشهيدة التي قضت عبر الحرب الاسرائيلية في تموز 2006 ولم تجد من يدفن جثمانها الطاهر إلا بعد حين... ثم إنه قد أحرز تقدماً مهنياً ملحوظاً، وهو الذي جاء من الحزب الشيوعي مقاتلاً، فأكمل دوره النضالي عبر «السفير».

أما خليل حرب الذي عاش طفولته وشبابه الأول في الكويت فقد جاء إلى «السفير» خريجاً وبدأ تدرجه في القسم العربي الدولي، ثم غدا رئيساً للقسم، وعندما اكتملت خبراته صار مديراً للتحرير ومعلقاً، وإن ظل متميزاً «بانحيازاته» مثيرة الجدل.

«السفير».. أسرتي

أما هنادي سلمان فقد جاءت من جامعة «جورج تاون» في واشنطن حيث أكملت دراستها العليا (في السياسة طبعاً) إلى «السفير»، فباشرت تدريبها من قسم إلى آخر، مواكبة عمليات التجديد، راعية لجيل شاب جاء إلى «السفير» ليعزز توهجها الدائم.. وتغلبت بإرادتها الصلبة على المرض الذي يتحاشى الناس تسميته، واستمرت تعمل وتكتسب خبرة حتى بلغت ـ بكفاءتها ـ موقع مدير التحرير.

بالمقابل، كان شقيقها أحمد الذي درس الكومبيوتر في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم تخرج من جامعة بوسطن في علوم المستقبل، قد عاد بعد سنوات إلى «السفير» ليتولى إعادة تجهيزها بما يفرض العصر من أسباب التقدم، منشِئاً «الوحدة الفنية» التي تولت نقل «السفير» من الحبر إلى عالم الإلكترون كلياً بمساعدة وجدي كنعان وجميع الزملاء في الوحدة الفنية والزميلة مريم مهنا... ومضى يتعرف إلى الناس في الأقسام المختلفة، يتابع إنتاجهم بقلبه ويكسب ثقتهم، مساعداً للمدير العام ياسر نعمه الذي رافق «السفير» منذ اليوم الأول للتفكير بإصدارها وحتى بلغ الثمانين، أمد الله في عمره، فسلّم الراية إلى أحمد ليكون المدير العام.

أما ربيعة التي درست إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية، ثم دخلت للعمل في المصرف المركزي في دائرة الدراسات، ثم تركته وانتقلت ودرست ايضاً في الجامعة الأميركية «حقل التعليم» وقامت بالتدريس في مدرسة الآي سي، إلا أنها لم تستطع الاستمرار وأصرّت على أن تلتحق بأسرة «السفير» كمشرفة عامة على «المركز العربي للمعلومات» إلى جانب الزميلة «النحلة» زينب سلمان وجميع الزملاء.

أما الابن الرابع علي الذي غرّد خارج سرب «السفير» معتزاً بهوايته «الرسم» التي صقلها بدراسته الجامعية عن الفن والرسم، فهو يتابع طريقه .. باجتهاده.

تحية للجميع...

لا مجال طبعاً لأن أستذكر هنا جميع الذين ساهموا في إنتاج «السفير» وفي تمكينها من بلوغ مكانتها المميزة، ولكنني سأمر على معظمهم للتحية: جهاد صفاوي وأحمد سيف الدين وكل الزملاء في قسم الإخراج، أما الزملاء عماد مرمل وايلي الفرزلي ولينا فخر الدين (أكفأ من تولى تغطية المحكمة العسكرية) ونبيل هيثم وكلير شكر وملاك عقيل والفقيه الدستوري أحمد زين والكابتن عدنان الحاج وغاصب المختار وعمار نعمه وسعدى علوه وباسكال صوما وأدهم جابر ودنيز عطالله وخضر طالب ومارلين خليفة وملاك مكي وربيع بركات وجوزيت ابي تامر وفاتن حموي ويوسف برجاوي واسماعيل حيدر ومحمد نجا وحسن الجندي، والمثقف الخطير عباس بيضون التائه بين الماركسية والوجودية والرواية والشعر الحديث، والذي ينسى مفتاح المكتب في الداخل ولا ينسى شاعراً أو كاتباً مميزاً، وأحمد بزون وعناية جابر، ثم اسكندر حبش الذي لا يبدع إلا مع العرق ولا ينسى إلا شذرات رئيس التحرير الثقافية، وجميع الزملاء في قسم التصوير بقيادة عباس سلمان، أما الزملاء المراسلون في المناطق فلهم تحية خاصة عن بعد لجهدهم المميز: الزملاء غسان ريفي ومحمد صالح وسامر الحسيني والذين سبقوهم.

ولقد جاءتنا الدكتورة نهلة الشهال، الباحثة، الكاتبة، المناضلة.. ودغدغت حلماً قديماً بإصدار ملحق يعوّض النقص اليومي عبر ملحق «السفير العربي» الذي كان إضافة نوعية لـ «السفير».. إذ قدم مجموعة من الكتّاب والبحاثة والدارسين الذين عرضوا الهموم والطموحات والتقصير الفاضح للأنظمة في التعبير عن طموحات شعوبها في بناء المستقبل الأفضل.

وبالتأكيد فإن «السفير العربي» قد شكل إضافة نوعية إلى «السفير»، معززاً اجتهادها في تأدية رسالتها القومية إلى جانب ملحق «فلسطين» ومجلة «معلومات» التي تولى إصدارها الزميل الراحل حسن السبع، ثم أكملت الرسالة الباحثة الجادة وذات النّفس الشاعريّ الموروث عن أبيها بادية حيدر، وكانت المهمة توثيق أبرز التحليلات حول التطورات التي تشهدها بلادنا في هذه المرحلة الخطيرة.

كذلك لا مجال لأن أنسى من نهض بمكتبي ومكتب المدير العام، وهما السيدتان ديانا قوصان وبهية مروّة والمفوض عنا جميعاً أحمد سلامة... أو الإضافة النوعية التي جاءتنا متأخرة: علي سلام ولين الددا، ومعهما زينب قانصوه ونائل الترك واسعد الحاج والزملاء في قسم المحاسبة ابراهيم الدمياطي وغسان نصر الدين وعبد الرحمن الحوت وجميع الزملاء في قسم الصيانة والسنترال والحرس.

يبقى أن أتوجه بتحية خاصة إلى دماء رفيقي وحارسي فؤاد اللبان الذي نجا معي من محاولة الاغتيال الآثمة، وكذلك الذين سبقوا إلى حراستي من العسكريين والمدنيين وآخرهم فواز فقيه ومحمد زريق.

لقد غادر «السفير»، خلال سنواتها الطويلة، أكثر من خمسمئة ممن تدرّبوا فيها وتخرجوا منها ثم انطلقوا إلى العديد من المؤسسات الصحافية في إمارات الخليج العربي والسعودية أو الصحف والإذاعات، مرئية ومسموعة، في لندن أو في باريس... أو أنشأوا مواقع الكترونية في بيروت مثل ساطع نور الدين.

... وأما رفيقة العمر، عفاف الأسعد سلمان، راعية الطموحات والآمال والهموم الثقيلة والغربة الطويلة والمسؤولية المنفردة عن رعاية «المربع الذهبي»، هنادي وربيعة وأحمد وعلي، فليُسمح لي بأن أتقدم لها بالتحية والتقدير. لقد تحملتني بكل متاعبي وأثقال المهنة ومخاطرها. شكراً أيتها الأم الصابرة، حمالة الأسية ـ الشريكة في الآمال والآلام والانتصار بـ«السفير» ولها.

إنها مسيرة طويلة في قلب الصعوبة، ثقيلة الأكلاف دماً قبل المال، وجهداً مع الكفاءة، وإيماناً بالأمة والناس، لتكون «صوت الذين لا صوت لهم»، ولتجتهد لان تكون «جريدة لبنان في الوطن العربي، جريدة الوطن العربي في لبنان»..

اليوم، بعد 43 سنة وثمانية أشهر من السهر والعرق والدم، من مواجهة الغلط والانحراف والطغمة الفاسدة التي تحكم وتتحكم بالشعوب العربية، والطبقة السياسية المهترئة التي تمنع لبنان من أن يكون، كما هو قدره وكما تمكنه كفاءات أهله، درة الوطن العربي ومشعلها..

اليوم، تجد «السفير» نفسها مضطرة لان تغلق صفحاتها على ماضيها متمنية من الله والناس أن يحموا ما تبقى من مصادر النور، وسيظل إيماننا ثابتاً بالله وبالوطن وبالناس الطيبين، بناة الأوطان، حماة الغد، راجين أن نكون قد أضفنا بجهدنا ما ينفعهم في يومهم وفي غدهم.

إلى اللقاء.

طلال سلمان

4 كانون الثاني 2017