لا شيء يدعو للقلق. أكرّر هذه الجملة مئات المرّات، وأنا أجرّ قدمي للوصول إلى الغرفة. منذ أيّام وأنا أقنع نفسي بذلك، ثمّ أتراجع في الثواني الأخيرة. هذه المرّة لن أتراجع، فأنا أريد أن أتذكّر ملامحي. أعرف أنّ وجهي شاحب، وأجزم بأنّ الشحوب اخترق جلدي ووصل إلى دمي.

أخاف أن أكون قد أضعتُ بعض ملامحي، أن أكون خزّنتها داخلي، تماماً كما أخزّن صوتي. لا أريد الكلام. أرفع صوت فيروز. صوت أنيني يزعجني.

أتجلّد، وأرى ظلي يحترق. أومئ له بأن ينجدني، فلا يحرّك ساكناً. صرت مدركة أنّ ظلي فارقني. نسيتُ كيف تودّعنا. هل حملته مع أغراضي المكدّسة في الطبقة الثانية، أم بقي هناك؟ أتذكّر أنني رأيته. كان ذلك في كانون الأوّل الماضي، يجلس خلف مكتب أبيض وخلفه صورة لعبد النّاصر. صورة تشي غيفارا المغطّاة بالكوفيّة كانت أيضاً لظلٍ آخر.

تفرّعت الظلال حتى سكنتني. كلّي عالق في السّكون.

أجلس هنا، ثم أعود. أين أذهب؟ أفتح «اللابتوب»، أتذكّر كلمة السرّ. لمَ أضع كلمة سرّ؟ أحاول الكتابة، تنطفئ الشّاشة. جيّد، فأنا لا أريد الكتابة. ثمّ أتذكّر أن أبلغ الشركة أنني غضضتُ النّظر عن شراء جهاز جديد. لمَ أفعل؟ سوف أكتفي بالأوراق.

أبحث عن دفاتري الحمراء، أقلّب في الأوراق. لم أنتبه يوماً أنّ الأسطر السوداء في تلك الدّفاتر مقطّعة بهذا التنسيق. بقي لي الكثير من الأسطر. أفكّر ماذا أكتب. كنت أريد اختيار كلمة جديدة لأكتبها. لا شيء يدعو للكتابة في هذا الوقت. أؤجّل الأمر إلى يومٍ آخر، لأنني طلبتُ من زينب قانصوه بأن تمدّني بالكثير من هذه الدّفاتر. هي أعطتني دفاتر، وأنا أبقيت على أسطرها منسّقة.

هل كان خطّي جميلاً؟ أتذكّر أنّ أبي كان يضع لي النقاط، وأنا كنت أخطّط فوقها. توقّف أبي عن وضع النّقاط، وأنا صرت أفعل ذلك وحدي، قبل أن أتوقّف منذ زمنٍ أظنّه بعيداً. أتعبتني النقاط، وأصابتني الخطوط بالدوار.

أُكمل قهوتي. أسمع فيروز. أتذكّر كيف همست فيروز في أذني لماذا جلست داخل منزلها وأقفلت الباب على نفسها. ترى النّور من خلف الذّكريات. أسمع صوتها وهي تغنّي «أنا عندي حنين». أتمتم. أشتمّ رائحتها. أنا لا أسمعها كما يفعل الباقون، أنا الوحيدة التي تعلم كيف نبَتَ الحنين على قلبي. كان ذلك حينما كنتُ ما زلت أخطّ اسمي.. كنتُ «رفيقة».

أكمل قهوتي. لا شيء يدعو للاستعجال، فقد رميت قبل قليل كلّ السّاعات في كيس أسود. لن أحتاج بعد اليوم إلى ساعة. لديّ الكثير من الوقت. ماذا أفعل بكلّ هذا الوقت؟ لن أُقتل بحادث سير من جراء سرعة قيادتي. لا شيء يدعو للعجلة. سأرتدي ملابسي، وأزور سعدى.

أنا وهي، نجلس على كنبة. رأيت هذا المشهد سابقاً. أذكّرها بالتفاصيل، أتمنّى لو كنتُ أتّامّل ألوان الأبواب أكثر، وأتمنّى لو أنني اقتلعت الأبيض. علاقتي مع الأشياء تقتلني. لو أنني أتحوّل إلى جماد في تلك الطبقة.

أمسك بيد سعدى، أمسّد شعرها. أقول لها شيئاً من حزني. هي لا تريد تصديقي. تظنّ أنني ما زلتُ هناك، أختبئ تحت ورقة سمراء يعلوها رسم لحمامةٍ برتقالية. أشرح لها أنّ ذلك هو ظلّي.

أتلمّس يديها، وأرفع إصبعها نحو السّماء، وأترقّب. أؤكّد لها أنني أستطيع سماع صوت ارتطام أحد الكواكب بكوكبي، وأستطيع رؤيته يسقط من الطبقة الثانية. أقول لها، إنّه الدّليل: سقط كوكبي، ثمّ أَخرج.

أين أذهب؟ أتذكّر جلال الدين الرومي. قد أكون قرأته في يومٍ ما، ولكنني لم أعد أذكر. أعيد إحدى قواعده: «لا تحزن.. فأي شيء تفقده، يعود لك في هيئة أخرى». أحاول أن أعيد الحزن إلى مكانه، ثم أتعب. من قال له، إنني كنتُ أحتاج إلى غير إيلي كي لا أحزن؟ من قال له إن للروح هيئة غير هيئة إيلي على شكل وجهي ووجهه؟

أأحقد على «مولانا»، أم أغفر له؟ ربّما لم يعلم حتى السّاعة أنني أكره التغيير. أخاف منه. كنتُ يوماً أحبّ عالمي، تماماً كما أحببتُ وجه حسين الذي كان يكبر فيأخذ شكل كوكب. هو الذي أعطاني قلماً. طوال تلك السنين، كنت أرسم به صورة للينين معلّقة في مكتب صغير فوق مقعد جلديّ. أُسرع في العودة إلى هناك. أخشى أن تتمدّد جذوري المثبتة على الحائط فتختفي الصورة.

أتوقّف فجأة، وأبحث عن القلم. سأحاول رسم نفسي. علّني أعلّقها مكان لينين.. وأعود.

]]]

سأنسى الرومي، وأتّصل بأدهم وعمّار. أنتظرهما على المكتب الأبيض. سيأتيان لا محالة. أنا أدخّن سيجارتي على الشبّاك كما اعتدتُ أن أفعل دائماً، ألمح ظلالاً تخرج من جسدي حتّى تتحوّل إلى دراويش تدور حولي فتخنقني. أحاول انتقاء صوت من ذاكرتي، فلا أجد. تشيخ عظامي وأتجمّد.

الهواء الآتي من نافذة غرفتي يعيدني إلى مكانٍ آخر. أبتعد عن سياط الشمس الذي يدخل منه، أخاف أن تحترق معه كلّ ذكرياتي.

أُطمئن نفسي أني لم أصب بالفصام بعد، ولو أنني أدمنت مشاهدة أفلام تروي حكايات عن المصابين به. كنتُ أتمنّى لو كنت مكان راسل كرو في فيلم «A Beautiful Mind». ماذا كنتُ فعلت؟

كنت سأسرع بالذهاب إلى «السّفير». أستلّ عددي. لن أنتظر المصعد، سأركض نحو الطبقة الثانية. أفتح الباب وأجلس معهم. أطمئن أن لينين في مكانه ثم أدير جهازي وأكتب. حينها، لن يرتطم أي شيء بكوكبي، أو فليرتطم. ما همّني إن كنتُ هناك؟