«هذه فرصتك»، قال نصري الصايغ لي حين بدأت العمل مساعداً له قبل أن أدير قسم «الرأي» في «السفير» منذ عامين.

في القسم تكتب أسماء لامعة بشكل منتظم. نصري عزيزٌ عليّ قبل أن أتعرف إليه عن قرب. نصوصه كانت المدخل إلى علاقتنا. رحت أفنّد «موجودات» «الرأي» اسماً اسماً؛ جميل مطر وفهمي هويدي من مصر كاتبان كبيران. ثمة آخرون يشكلون مداميك يُؤسَس عليها؛ البارع في تشريح الأحداث، مصطفى اللباد، مثلاً. سمير العيطة الذي يربط السياسة بالمبادئ في معالجاته للحرب السورية أيضاً. حبيب فياض بإنتاجه المُتموضع بين السياسة والثقافة، وهاني شادي إذ يقرأ لنا الأحداث بعين روسية أسبوعياً من موسكو، قيمة مضافة كذلك.

كان التحدي يتمثل بضخ دماء جديدة، لها عقليّتها وأسلوبها وأدواتها المتصالحة مع «النيو ميديا» وحاجاتها. لكنه بدا متصلاً، قبل أي شيء، بهيبة مُتخيّلة لدي حيال تاريخ الجريدة و «الدور» الذي ينبغي أن يكون لقسم «الرأي» فيها. ففي «السفير» تاريخ مُخيف من الأسماء الوازنة. هنا كتب ياسين الحافظ ومحمود درويش وعبد الرحمن منيف والياس مرقص وعشرات آخرون من كبار القوم. هنا كتب عزمي بشارة، بالمناسبة، قبل أن تصبح له إمبراطورية إعلامية كبرى. هنا رسم ناجي العلي. وهنا جعلتُ من افتتاحيات جوزيف سماحة خبزيَ اليومي منذ أن كنت طالباً، وتعرفت عبره إلى خصمه في السياسة حازم صاغية الذي رحت أطالعه، من موقع النقيض، كتمرين ذهني يومي.

أخذت أفكّر بما يمكن عمله: أنطونيو غرامشي، الذي ابتدع مفهوم «المثقف العضوي»، كان الأساس الذي بنيت عليه أطروحتي الجامعية التي كنتُ على وشك إنجازها في جامعة إدنبرة. وقد ناقشت فيها فكرة قيام مؤسسة إعلامية بدور «مثقف عضوي مؤسسي» (أو جمعي). أعترف اليوم بأني لم أجد ما هو أكثر إثارة من محاولة نقل حيّز نظري كهذا إلى واقع ملموس: لمَ لا يكون قسم «الرأي» في «السفير» مختبراً لهذه المقاربة، من دون أن تُراق على ضفافه الدماء كما يحصل في التجارب «المخبرية» المحيطة؟

أردت أن أقرأ موادّ القسم مذهولاً بإسهامات آخرين، أن أنتمي إلى فريق مؤسّسي متكامل من «المثقفين العضويين»، أو ممن يسعَون لأن يكونوا كذلك. والهدف كان المشاركة في تعميم فكر جدلي يحرّك الجمود، ويتحدّى بُنى الاستبداد، ويضرب أساطير التخلف التي تختبئ أحياناً وراء شعارات «ثورية» عقيمة.

هكذا راح يكتمل الفريق الذي يُعوَّل عليه. ثائر ديب بات يكتب بانتظام. هو الذي ينحت نقده بقلمٍ لاذع حرفاً حرفاً. تبعه الروائي العراقي المبدع سنان أنطون الذي يقيس كلماته بالميزان. سحر مندور قيمة كبيرة بإثارتها قضايا الجندرية في متن النقاش الفكري والسياسي؛ لم يَكُن بدٌ من «توريطها».

تقاسمت عمود الأربعاء مع أيمن عقيل كمن يشطر رغيف خبزه نصفين. ثم تعمّدت مساجلة الباحث السوري محمد صالح الفتيح حين تعرفت إليه في لندن؛ وجوده في الصفحة إثراء وتنويع. الاستثمار كان مجدياً في عبد الله زغيب، العارف في الشأن اليمني وفي الظواهر العسكرية في المشرق، كذلك في جرأة لميس أندوني من الأردن، التي تكتب أصلاً من دون اعتبارات. كثر آخرون راحوا يرفدون موجودات القسم ثم يوسّعون إنتاجه.. إلى أن جاء خبر الإقفال قبل نضج التجربة، على دفعتين.

لا متّسع لتقييم تجربة «السفير» هنا. لها ما لها وعليها ما عليها. وغيري من الأقدمين أقدر مني على التقييم. ولو أني لا أفهم هذا الإغلاق إلا في ثلاثة سياقات متكاملة ليست الجريدة بعيدة من أي منها: أزمة عامة في الصحافة الورقية وبطء في مواكبة المتغيرات، نقص في مأسسة العمل الصحافي، والأهم من هذا وذاك، جبروت المال الريعي وقسوة الاصطفافات السياسية على مستوى الإقليم.

لقد أُريد للتجربة في قسم «الرأي» أن تشكّل مساحة نقدية قادرة على احتواء كل من يملك الحجة، حتى لو كان ينتمي إلى مدرسة مغايرة أو إلى اصطفاف مخالف. أما بالمعنى «البرامجي» (يعني «الأجندة الخفية» ـ المؤامرة)، فقد أُريد لهذا الوعاء أن يقدّم فهماً حضارياً لـ «العروبة» المتحررة من الانحيازات الجهويّة للسنّة والشيعة، ومن حرب المئة عام التي تحرقنا.

لكن لحظة الاعتراف قد حانت.

لقد خسرنا الوعاء يا رفاق.

خسرنا الفرصة يا نصري، هذه على الأقل.

شكراً على الثقة. تلك أفضل ما أحتفظ به في سيرتي المهنية، أو ما أرجو أنها كذلك. وعذراً للأصدقاء المساهمين غير المنتظمين، الذين لم تسعفنا المساحة ولا النواحي التقنية المُقيّدة على تطوير تعاوننا. وكل من هؤلاء، لولا قيود المِساحة، يستحقون الذكر اسماً اسماً.

في البدء أطبق قرار الإقفال على الصّدر بحجر ثقيل. ثم قُلت ما علينا. تُطوى «السفير» مع طَيّ صفحة قرنٍ لمنطقة عربية متداعية بأسرها. بهذا المعنى يبدو الأمر «طبيعياً».

ما أدركه قبل هذا الإقفال، كما بعده، أن الهواء الذي نتنفس لا يمكن أن يكون كما نتمنّاه، نظيفاً، من دون أن تقترن المهنة بما تمليه عليه قناعاتنا، حيال لبنان أقل فساداً، وشام متحرّرة من السطوة الأمنية وسواطير التطرّف معاً، وعراق متصالح مع ذاته، ويمنٍ مُعافى من الحرب المجنونة، ومصر قادرة ومؤسَّسة على آمال «ثورة يناير» وما بعدها، وشبه جزيرة عربية يكون نفطها عوناً لنا، لا وبالاً علينا.

ما أدركه أيضاً أننا سنتنفس يوماً. أعلم أن أملاً بهذا الحجم لا يحتمل نتيجة أخرى. يقيني أنه شهيقُنا العميقُ المؤجَّل، وأنه أكثر قيمة وجدوى، متى يلي كبت أنفاسٍ مديدا...