كان الحشد هائلاً. يصعب تقدير حجمه. لكن المؤكد أنه يمثل أكثريات في طوائف لبنانية أساسية. وبما أن لبنان «يتحاور»، هذه الأيام، بالتظاهر يمكن القول، من دون خوف المجازفة، إن كفة المعارضة هي الراجحة.

روافد عديدة صبّت في بيروت أمس.

رافد الاحتقان ضد ممارسات وسياسات مستمرة برغم الإعلان الحاسم عن الانسحاب الشامل والكامل. ورافد الإصرار على تطلّب «الحقيقة» والإقدام على الخطوات اللازمة لذلك. ورافد الرد، ولو غير المباشر وغير المعلن، على تظاهرة الثلاثاء الماضي. ورافد الرغبة في رسم التوازنات الناشئة والحسم في موقع النصاب السياسي.

هذه الروافد، وغيرها، تلاقت في ساحات العاصمة لتؤكد أن لبنان دخل، وبقوة، في مرحلة ما بعد الانسحاب السوري.

الإعلان الأول عن هذه المرحلة كان تظاهرة الثلاثاء الماضي. حصلت لتقول رأياً وتحدد وجهة. اقترحت برنامجاً يخص العلاقات الثنائية، وأوحت بوجهة نظر في التوازن الداخلي، ودعت إلى حوار مشروط، ووضعت سلاح المقاومة خارج جدول الأعمال. بدا فيها أن لبنان قادر، بعد المعطى المستجد، على خوض المواجهة ضد السياسة الأميركية، وضد من يطيب له الرهان عليها. باختصار أعطت تظاهرة «حزب الله» إشارة إلى إمكانية وقف السياق الذي كان هناك من يدفع في اتجاهه، لا بل إلى إمكانية عكس هذا السياق.

الإعلان الثاني عن المرحلة الجديدة جاء، بالأمس. وهو يقول إن قوى لبنانية نافذة، وذات شعبية مؤكدة، وممتلكة لقنوات مفتوحة مع الوضعين العربي والدولي، إن هذه القوى راغبة في إطاحة كل الترسيمة المفترضة لما بعد الانسحاب.

من معالم هذه الترسيمة إعادة تكليف الرئيس عمر كرامي لتشكيل الحكومة، والدعوة إلى «اتحاد وطني» على قاعدة تؤدي عملياً إلى إضعاف المعارضة، وتجنب التحقيق الدولي، وحماية أجهزة الدولة ومؤسساتها، والاستناد إلى شرعية يؤمّنها متظاهرون، واقتراح جدول أعمال داخلي ينهض على فرضية أن الجريمة، بعد التمديد، وراءنا.

تظاهرة الأمس، وهي توليفة ناجحة بين بساطة الشعار «الحقيقة»، و «الولاء والوفاء» وبين ضخامة الحشود، لا وظيفة لها في الواقع السياسي إلا توجيه ضربة تريد أن تكون قاضية لهذه الترسيمة.

(جوزف سماحة، 15/3/2005)