ظلّ يكتب كمن ينزف حتى أعجزه المرض وطوى إبداعه الصمت.

كنت أقرأ لعبد الرحمن منيف قبل أن ألتقيه، لأول مرة، في مقهى دافئ في باريس، ذات شتاء... وكان يوشك على الانتهاء من كتابة ما غدا بعد ذلك الجزء الأول من خماسية «مدن الملح».

قال: أفكر في نشرها مسلسلة، وليس أفضل من «السفير»، إذا رأيت ذلك مناسباً.

سحب نفساً من غليونه وهو ينظرني من تحت نظارتيه.. وحين تغلبت على المفاجأة الصاعقة قلت بحماسة: هذا يشرفني، طبعاً.

بعد لحظات استدركت قائلاً: لكن النشر اليومي غير عملي.. أقترح أن يكون النشر مرة في الأسبوع.

قال بعد تفكير: دعني أنجز ما بين يدي أولا ثمّ نقرر.

مرت شهور طوال من الصمت، ثمّ أرسل عبد الرحمن يقول لي إنه فوجئ بكتابه لا ينتهي.. وانه قد يخرج إلى الناس ثلاثية أو رباعية أو حتى خماسية.. وهكذا كان.

ثمّ عاد عبد الرحمن منيف، العربي أرومة، الرافض أن يكون «سعودياً»، والذي قرر في النهاية أن يستقر في دمشق التي أحب وتزوج فيها، ومن سيدة سورية، يوالي إصدار روايته «مدن الملح» التي صارت خماسية، والتي لم يكتب أبدع منها نصاً وأروع منها مضموناً في وصف الأحوال في «مملكة» السيف والذهب. ثم توالى إنتاجه المميز ثقافة ورهافة حس وشمولاً حتى ليكاد أن يكون تاريخاً للقرن العربي.

كنت أزوره، وغالباً مع حسين العودات وياسين الشكر، وهما من جيرانه، فنتبادل الهموم ونبتدع الآمال.

ومع الأيام شب أبناؤه فجاء اثنان منهم إلى الدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت، بينما كان يتابع إبداع رواياته وأخطرها ثلاثية «أرض السواد» عن العراق وروايات أخرى عديدة.

ـ 2 ـ

وصارت «السفير» منتداه، يقصدها مرتين أو ثلاثاً، شهرياً، ويجيء بعض الأصدقاء للاستماع إلى آرائه، ويدور النقاش خصباً ومختلفاً عن كل ما نسمع.

كان يكتب، بين الحين والآخر، مقالات هي أقرب إلى النقد الفكري منها إلى النقد الأدبي ... وكان يقرأ كثيرا لكتاب وروائيين عرب، كما كان يتابع الحركة الثقافية في العالم. من هنا كانت مناقشاته معنا غنية بالمقارنات، واستذكار الروائيين الكبار والشعراء الذين لا يموتون، عرباً وأجانب ... فكنا ننتظر قدومه وكأنه احتفال ثقافي.

ولقد قدمت إليه السعودية أكثر من عرض للعودة، وإغراءات مجزية .. ولكنه كان يشعر أنه لو هو عاد إلى «هناك» فسيخسر نفسه ولن يربح إلا الجنسية التي يرفض الاعتراف بشرعيتها.

وفي الشهور الأخيرة من حياته، اشتد عليه المرض، فغدا نحيلاً، وان ظلت عيناه تشعان من خلف نظارتيه، وظلت أحلامه تساعده على الصمود، وإن تهاوت آماله بتغيير قريب يعيد إلى الهوية العربية اعتبارها، ويعيده إلى مسقط رأسه الذي صودر فلم يعد وطنه.

ط.س.