بين من عاشرت أو تعودت على حضوره، حتى من خارج دائرة الأصدقاء، من يصعب عليك نسيانه مهما طال زمن الغياب.

من هؤلاء، بين من عرفت، سعيد صعب، الصعلوك الأممي، ابن عاليه، المتحدر من آل شميط، والذي ولد وعاش طفولته وبدايات شبابه الذي رافقه حتى اليوم الأخير، في أميركا اللاتينية.

عندما تقول سعيد صعب فأنت تتحدث عن حب الحياة، عشق الحياة، بالطيبين من أهلها نساء ورجالاً، والطيبات من لذائذها، أي الشراب ثم الشراب ثم الشراب، والاستمتاع بأن تعمل قبيل الانطفاء وتتقن عملك، وأن تتوه عن بيتك فتقودك إليه رائحته.

صديق صدوق لمن قرر أن يصادقه، ساعٍ إلى تجنب الثقلاء والمتشاوفين، مثقف حتى النخاع، صحافي بالسليقة كما بالممارسة، مثقف خطير بلغاته الأربع، يعرف نصف العالم، وقد جرب الف الف بار وناد ليلي.

عمل سعيد صعب في صحف عديدة. التقينا، لأول مرة، في «الكفاح»، مجلة «الأحد»، ثم لفترة وجيزة في جريدة «اليوم»، ثم بعد ذلك وحتى آخر يوم في «السفير».

وكان يمكن أن تكلفه بالعربيات، بالدوليات، بالمحليات، بصفحة الرأي، بالثقافة، يكتب عن معرفة في أي موضوع، ويخطف منك أصدقاءك ثم يدعوك معهم.. لتدفع. كان يرفض ـ قبل الزواج ـ أن يتقاضى راتبه دفعة واحدة، مفضلاً أن يقبضه يوماً بيوم، حتى لا ينفقه في سهرة واحدة، أو في يوم واحد تجاوزاً.

ولقد وجد سعيد صعب، أخيراً، امرأة فاضلة تصبر على مزاجه، وتراعي مشاعره، تنبهه إلى مواعيد عمله، والى الموضوعات التي وعد بأن يكتبها.

في أول أيام ربيع عام 2003، بعد عيد العشاق وعشية عيد الأم، رحل سعيد صعب، وغابت مع هذا الصعلوك الشريف ليالي الأنس والحفلات العفوية التي تجمع الخلان، والطلب اليومي بواحد على ثلاثين من راتبه.. مع المازة.

رحم الله عاشق الحياة حتى الثمالة سعيد صعب.