كان الفرح يغمرني ودقات قلبي تسابق خطواتي الى اول لقاء. كيف لا وانا اشعر ان احلامي على وشك ان تتحقق بانضمامي الى اسرة السفير، فأنا منذ ان كنت طفلة صغيرة اواظب مع ابي على قراءة الجريدة، الى ان اصبحت يداي الصغيرتان تقلبان صفحاتها دون مساعدته. وفي زمن الحرب كانت نافذتي الى العالم، وانا التي عشت الحرب اللبنانية بكل أهوالها ومصاعبها وخاصة الاحتلال الاسرائيلي لمدينتي صيدا ولبلدي، فكنت اتابع عمليات المقاومة من على صفحاتها واحتفظ بكل ما كتب عن المقاومين كسناء محيدلي، عن اهلها وقريتها ونشأتها، عن تفاصيل العملية البطولية التي قامت بها، عن فتى مقاوم من صيدا يدعى نزيه القبرصلي، وعن سهى بشارة التي ما زلت احتفظ بقصاصة من «السفير» تحمل صورة لوالدتها وهي تضفر شعرها بعد اطلاقها من المعتقل. كان مروري في صفحة «شباب السفير» عند تأسيسها العام 1974 من أجمل ما فعلته في حياتي. ولكن سفري الى فرنسا منعني من اكمال الحلم، الا انني كنت احرص يوميا على شراء الجريدة من أحد اكشاك العاصمة الفرنسية، وكنت أحزن عندما يعلمني البائع ان الجريدة لم تصل لان رحلة «الميدل ايست» قد ألغُيت. صدور الجريدة على الشبكة العنكبوتية قد اتاح لي كغيري من المغتربين الابقاء على صلة قوية بمجريات الأحداث في لبنان والمنطقة خاصة خلال حرب تموز 2006، حين رحت اترجم بعض المقالات الى الانكيزية وارسلها اصدقائي الاجانب لاطلاعهم على حقيقة ما يجري في لبنان. منذ أكثر من سنة تقريبا اتصل بي أحد الزملاء طالبا مني الانضمام الى القسم المالي في الجريدة، وتحولت من مجرد معجبة ومتابعة لكتاب وصحافيي الجريدة الى زميلة تناقش وتبحث وتشارك في اجتماعات التحرير الاسبوعية. كان حلمي لا يزال في مراحل الطفولة وكانت تجربتي لا تزال تخط كلماتها الأولى، ولكن القدر كان اقوى وتحول الحلم بعد عام الى قبيلة من الجراح والاحزان له مساحة الكون.

وعندما تغيب «السفير»، يغيب صوت فيروز وموسيقى الرحابنة ويغيب مسرح سعدالله ونوس وتختفي روايات عبد الرحمن منيف ويغيب ناجي العلي ورسومه الكاريكاتورية من ذاكرة الاجيال المقبلة.

لمن تركت السفير رسالتها؟ إن الحزن يغمرني. هل ضاقت بك بيروت؟ هل ضاقت بك شوارع الحمرا؟ هل ضاق بك البحر وضاقت بك السماء وقلوب الناس؟

«السفير» كانت وما زالت فلسطينية حتى أطراف أصابعها، لبنانية الهوى والهوية، سورية في أعماقها، مصرية ناصرية الوجهة ولكنها عربية بامتياز لدرجة الجنون. هذا هو مجدها ان كان المجد يعنيها. ولكن، ما معنى ان تكون عربيا في هذا الزمن؟ معناه ان تدفن الحزن، ان تعتاد الموت وتتعامل يوميا مع القهر.

ولكن، برغم كل ذلك، لا يسعني الا ان اتطلع الى المستقبل وانا اردد مع الكبير سعدالله ونوس: «إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن ان يكون نهاية التاريخ».