جاء جوزف سماحة إلى «السفير» مع بداياتها، وسط تظاهرة من الصبايا والشباب الذين شدتهم إلى الجريدة «حداثتها» وهويتها بلغتها المختلفة في شعاراتها المحددة لنهجها، كانت فترة الإعداد لها قد اجتذبت جمهوراً واسعاً من المهتمين بالجديد المختلف في عالم الصحافة.

ولقد بدت «السفير» آنذاك، وكأنها ارض اللقاء بين أهل اليسار بتنوعاتهم وتبايناتهم، من الشيوعيين إلى المحازبين إلى القوميين العرب الذين كانوا قد استيسروا من دون أن يفقدوا جذور عروبتهم.

وكان جوزف سماحة وحازم صاغية يشكلان ثنائياً فريداً: فجوزف في منظمة العمل الشيوعي مع حنين إلى العروبة التي كان يرى ضرورة تجديد إطارها الفكري ومشروعها السياسي.. فيما كان حازم يبحث عن اليقين الذي لم يجده في حزب سياسي أو حتى في دين.. وكانا يشكلان ثنائياً مميزاً: ثقافة وعشقاً للقراءة والمعرفة.

بالمقابل كان المناخ السائد بين الشباب من أسرة «السفير» يسارياً على وجه العموم وإن تمايزت تلاوينه وظل «العميد» فيه إبراهيم عامر يناكفه بلال الحسن الذي بدأ مع القوميين العرب ثم انفصل مع «ديموقراطية» نايف حواتمه لكنه ظل «فلسطينياً» قيادته في «فتح» بشخص ياسر عرفات وإن قد بقي على احترامه «للحكيم» جورج حبش وسائر الرفاق السابقين.

تولى إبراهيم عامر رعاية جوزف سماحة على وجه الخصوص، وهو من رشحه ليكون كاتباً في صفحة الرأي أكثر منه محرراً في المحليات أو طباخاً في الديسك، ثم تقدم جوزف ليتولى مسؤولية الصفحة.

... وكذلك الأمر مع حازم صاغية وإن وسع هذا الحائر نطاق نشاطه إلى «دراسة» الشخصيات السياسية في لبنان وتقديمها عبر محاورات متميزة جمعتها «السفير» في ما بعد في كتاب مختلف عن كتب السيرة الذاتية.

أما جوزف سماحة فكان يعشق مع الثقافة وحب الحياة مهنة الصحافة.. وقد أرضت «السفير» طموحه إلى جريدة مختلفة، تقودها نخبة ملتزمة بخط سياسي من دون تعصب، تحترم الثقافة وتخصص لها صفحات مفتوحة للكتاب جميعاً على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية.. وهكذا التقت فيها أقلام قومية وماركسية وتقدمية ووطنية بينها من كنا نصنفه «كانعزالي».

عشية الاجتياح الإسرائيلي كنت في الخارج، وعرّجت وأنا في طريقي إلى بيروت على باريس للاطمئنان إلى عائلتي التي كان المدير العام في « السفير» آنذاك محمد المشنوق قد ارتأى « ترحليها» إلى باريس، اثر محاولتين لنسف بيتي القريب من مقرها في منطقة البريستول... وهكذا كان على الزملاء بلال الحسن محمد مشموشي وباسم السبع ويوسف برجاوي وجوزف وحازم وفيصل سلمان برعاية ياسر نعمة وسائر العالمين في «السفير» أن يتولوا مسؤولية إصدارها في غيابي.. وخصوصاً أن العدو قد أقفل المطار. وبقيت مكرهاً في باريس أتابع من مكتب «السفير» فيها مهاتفة الزملاء يومياً، مرات ومرات، أزودهم بما تكتبه الصحف والإذاعات وشاشات التلفزيون الفرنسية عن التطورات العسكرية، والوقائع البطولية في مقاومة الاجتياح الإسرائيلي، من الجنوب إلى معركة خلدة، فإلى ما يجري في الضاحية ـ النوارة التي عزلت عن بيروت، نقلا عن الصحافة والإذاعات الفرنسية، مسموعة ومرئية.

وأشهد أن فريق «السفير» قد أنجز عملاً بطولياً، واستمر يصدر»السفير» بالموقف المقاوم المتوقع منها، وكانت أعدادها بشارة بالمقاومة بشهادة صفحاتها الأولى المميزة بعناوينها ومقالات العاملين فيها والرسوم الرائعة لناجي العلي التي تكاد تختصرها لوحة «صباح الخير يا بيروت..».

نام الجميع، شبابا وصبايا في المكاتب، واتخذوا من المطابع ملجأً عند اشتداد القصف.. وقد جاء إلى زيارتهم الزعيم ياسر عرفات وغيره من قياديي المقاومة..

عدت عن طريق دمشق بعد جلاء العدوّ الإسرائيلي عن طريق بيروت، وأكملنا المسيرة بنقص مؤثر: فقد تركنا الزملاء الفلسطينيون (وبالتحديد بلال الحسن وتوفيق صرداوي) وبعض الزملاء العرب الآخرين .. وكان علينا أن نعيد صياغة «السفير» داخلياً، من غير أي تعديل او تحريف في خطها السياسي.

ط.س.