تكاد علاقتي الكتابية في «السفير» تعادل عمري المهني. من أول نص كتبته في العام 1977 وحتى اليوم يكون مرَّ أربعون عاما.

لم تكن «السفير» أول مطبوعة أكتب فيها. لكن ذلك اليوم من العام 1977، لا يمحى، كما هي عادة الأشياء الأولى من حياة الفرد، من الذاكرة. كان نصاً شعرياً بعنوان «أي ندى بلّلك». وقد نشر، تأكيدا لأهمية «الحدث»، في «السفير الثقافي الأسبوعي». كان ذلك مثار فرحة كبيرة لأنه كان يعني انتمائي للمرة الأولى إلى عالم «الكاتب الأصلي». وكرّت سبحة النشر التي استكملت بمفاجأة سارة في نهاية ذلك العام بمقالة للشاعر،الراحل مؤخرا، محمد العبد الله الذي احتضن حينها قصائدي واعتبر في مقالته التقييمية السنوية ان ثلاثة أسماء برزت في الشعر ذلك العام: محمد ابو سمرا وحسن الشامي وأنا. لم يكن قليلا حينها على ناشئ مثلي مثل تلك الشهادة من «شاعر اللمحة المرهف» التي ربطتني به لاحقا علاقات شخصية وعائلية.

لكن السفير فتحت لي أبوابها في ذلك العام أيضا للكتابة في صفحتها الثقافية في موضوعات مختلفة مثل النقد الأدبي والنقد التاريخي. وكانت تلك النصوص بابي، غير المقصود، للحصول بعد ذلك على منحة اتحاد الكتاب اللبنانيين لدراسة الدكتوراه في بلغاريا في عهد الأديب الراحل احمد أبو سعد والمفكرالراحــل حسين مروة، والذي كان يفرض على المرشح لنيل المنحة شرط ان تكون له نشاطات ثقافية.

لكن «الرحلة البلغارية» التي استمرت خمس سنوات متقطعة كانت نقطة تحول بالنسبة للموضوعات التي كانت «السفير» تعهدني بها. إذ من بلغاريا نفسها، الموطن الأول للثقافة السلافية، انفتحت لي النافذة التركية لغوياً وأدبياً وتاريخياً و..سياسياً.

بات الموضوع الثقافي التركي هو الطاغي على كتاباتي في «السفير». وبذلك كنت أفتح بابا للصحيفة نفسها لتقدم عالما جديدا من المعرفة يتصل بتركيا ثقافة وشعراً وفناً. وهذا لم يكن مألوفاً حينها في الصحافة العربية.

لكن «لوثة» السياسة القادمة من الشغف التاريخي بدأت تقلب عندي «المزاج الكتابي» منذ منتصف العام 1986، حين نشرت للمرة الأولى وفي «السفير» نصاً يتصل بالسياسة التركية ووضع الأتراك في بلغاريا.لقد بدأ الجانب السياسي يقتحم بقوة الحيز الثقافي حتى احتله لاحقا بالكامل.

كانت الصحيفة منبراً مفتوحاً لكل المواهب الجادة. لم تغلق الباب يوما أمام أي احد. برغم بعض «التغريبات» المتقطعة لي في صحف «الحياة» و»النهار» و»المستقبل»، كانت «السفير»، بالنسبة لي ولكثيرين، دائما بيتنا الدافئ وملاذنا الآمن الذي كنا نعود إليه، ذاك الذي تظللنا به من دون تقطع حتى آخر عدد منها في رأس السنة. بعده العراء الكبير الذي ينتظرنا جميعا.

لقد كانت «السفير» شاهدة على الزمن الحلو والزمن المر للنضال العربي والأممي. كانت دائما الجندي الإضافي غير المرئي في معركة المقاومين على امتداد الوطن العربي ووسع العالم من كوبا إلى فييتنام، ومن موسكو إلى بريتوريا.

في المقابل، كانت «السفير» ضحية بل «شهيدة» الزمن الرديء الذي سمّي زوراً بـ «الربيع العربي». اختلطت الخيارات وتداخلت. وكان التحدي الأكبر والامتحان غير المسبوق. وبين أزمة الصحافة الورقية،العالمية، وأزمة المشروع القومي والتحرري، كانت «السفير» أيضا، في توقفها النهائي، مرآة لهذا المأزق. وكما «النكبة» في فلسطين ، فإن توقف «السفير» هو «نكبة» الفكر والصحافة العربيين. لن يعرف احد أهمية وجوب استمرار «السفير» إلا عندما تتوقف. لكن سنبقى مؤمنين بأن زمن المعجزات لا يزال قائما. من يدري؟ رجاء، أعيدوا إلينا «السفير».