«عندما يفلح الإنسان أرضه والقذائف تتساقط حواليه، هذه هي مقاومة، وعندما تحصد المرأة الزرع والقنص يطالها، هذه المرأة هي مقاومة... المسؤولون يحكون عن صمود الناس، ولا يكلفون أنفسهم عناء تأمين المقومات للناس، الناس تصمد حباً بأرضها أو رغماً عنها، لا فرق، وليس لأن المسؤولين يقولون لها ذلك. هناك إذلال للناس، عندما هجرت الناس من بيوتها تم إذلالها في المدارس بأشكال متعددة، لم يقدر أحد أن هؤلاء كان عندهم بيوت»... وعندما رجع النازحون بعد توقف العدوان، عادت عملية الإذلال تتخذ وجهاً آخر... في الإعاشات والتعويضات هناك إذلال... أكثر من ذلك هناك قلق، وأسئلة كبيرة، تبدأ من استمرار الاحتلال الصهيوني للشريط الجنوبي والبقاعي المحتل، وتصل إلى سياسة الدولة إزاء قضية التحرير، بعد أن تمر على المقومات المفقودة، ناهيك بالأعمال التي تتسبب بمضاعفة الأذى والخسائر من دون نتيجة تذكر، كإطلاق النار على طائرة هليكوبتر معادية، سواء كان ذلك من رشاش خفيف أو بواسطة قذائف صاروخية... والناس في الجنوب تسأل عن قضية التحرير وعن دور الجيش، وعن سياسة الدولة وعن سياسة مجلس الجنوب (في موسم التعويضات) وعن القرى التي يغادرها سكانها من دون رجعة، وعن أولئك الذين يرجعون ليجدوا أمامهم تقديرات عشوائية لمدى الأضرار التي لحقت في منازلهم، ولا أحد يتحدث عن محتوياتها من الأثاث، أو الخسائر في مصادر الرزق والعيش سواء كانت زراعية أو سواها. في الجنوب، جنوب الأسئلة والقلق، جالت «السفير» على قرى: معروب، بئر السلاسل، خربة سلم، الصوانة، مجدل سلم، تبنين، حاريص، برعشيت، كفرا وياطر... والصور التي تجمعت لدينا لا تعطي المسؤولين «صك براءة»، فالكلام الذي يقال في المؤتمرات والصالونات هو غيره الذي يقال من جانب «الذين يأكلون عصي» الاحتلال صباح مساء. وما نقصده هنا لا يتناول أسبوع العدوان أو الحرب المفتوحة من طرف الجيش الإسرائيلي، إذ الأمر على هذا النحو منذ سنوات طويلة، فبعض المعاناة بدأ مع قيام دولة العدو، وبعضه في المحطات اللاحقة سواء كان اسمها 1967 أو 70 أو 73 أو 78 أو خلال الاجتياح والغزو العام 1982. والمواطن يصرخ، سواء كان في برعشيت أو مجدل سلم أو... يؤكد على حقه بالعيش بعيداً عن أسئلة المصير، والقلق الذي ينتابه، فالجنوبي تعود على تدمير العدو، وتعود هو على البناء كأن هناك سباقاً بين إرادة الاحتلال بالتدمير المنهجي الجماعي أو الفردي، وقراره بالصمود برغم كل المصاعب. هذا السباق يخوضه المواطن معزولاً، مجرداً من التزام السلطة. والالتزام الذي نتحدث عنه يبدأ بالمقاومة، المقاومة الفعلية للاحتلال، ويتناول كل المقومات والمقدرات المطلوبة للحماية وتأمين العيش والتقليل من الأضرار: الملجأ، المستوصف، حبة الدواء، التيار الكهربائي، المياه، الطريق و...

لا شك أن محاولة تقديم صورة عن إحدى عشرة قرية مسألة صعبة، إذ لا ندعي إجراء مسح، ليس هذا ولم يكن من وظيفة هذا التحقيق، ما حاولناه أن نقدم صورة عن تلك الجولة التي بدأناها مع مطلع الفجر وأنهيناها مع غروب يوم عادي مر على الجنوب كمرارة كل الأيام التي سبقت. الحصيلة التي عدنا بها من هذه الدورة الواسعة التي استغرقت أكثر من 13 ساعة، وقابلنا خلالها العشرات، ان «كلام القرايا هو غير كلام السرايا»، على حد ما يذكره المؤرخ الشعبي سلام الراسي، والوجع يجر إلى الكلام، والصراخ حتى، والناس تنتظر الفرج، وتتعلق بكل بارقة... لكن إدراكها القاطع والواضح، هو أن لا أمل كاملاً، إلا في حال زوال الاحتلال وعودة السيادة اللبنانية كاملة، غير منقوصة على التراب الوطني، مع ما يتكلف ذلك من تضحيات، لا بد وأن تُدفَع... وعليه فالمعاناة طويلة، وطويلة جداً، كأنها تبدأ من نقطة ما في التاريخ، وتعبر الواقع نحو المستقبل. بين القرى والبلدات المقصوفة إلى حد يمكن الحديث معه عن استثناءات تعد على الأصابع، من تلك البيوت الناجية، إلى قرى «الخط الميت»، تلك القرى التي تموت ببطء على «حدود الفصل» بين المناطق المحررة وتلك المحتلة، وحيث المواقع العسكرية تراقب كل حركة... بين هذه وتلك قصة طويلة لا تنتهي لمجرد انتهاء الكتابة عنها. ربما لكل من هؤلاء الناس قصته التي يجب أن تروى، وعلينا أن نستمع لجراحهم، جراح أجسادهم وبيوتهم عندما تنزف كلاماً. ماذا تستطيع أن تقول عندما تسمع عن طفل يمضي ساعات وحيداً في ملجأ مقصوف هرب منه الجميع ونسيه والده في غمرة الرعب، وماذا عن المرأة التي تحمل صورة ابنها المتوفى، والجثث التي تخرج من المقابر تحت وطأة القصف و... و... لنبدأ بالكلام.

(تحقيق: زهير هواري) ـ ١٦/٨/١٩٩٣