÷ ماذا عن رحلتك من العراق الى بيروت، هل من مغامرة هناك؟

{ بعد نكسة حزيران 67 مباشرة، كان الدافع الى الخروج قد تكاثف الى درجة لا تطاق بحيث وجدت نفسي أتحدث طوال الوقت عن فكرة واحدة. كيف يمكنني أن أذهب الى بيروت، خصوصاً بعد لقائي لاول مرة بيوسف الخال في بيت جبرا ابراهيم جبرا الذي دعاني لزيارته في المنصور، في ذلك اللقاء قال لي يوسف بكل بساطة إن مكاني في بيروت، وعليّ أن أحاول جهد طاقتي الوصول الى هناك. وبهذه المناسبة وظناً منه أنني سأسافر الى بيروت بطريقة شرعية كأي مسافر آخر سلمني جبرا مخطوطة الملك لير لشكسبير مطبوعة على آلة كاتبة لأوصلها الى «دار النهار»، وهو لا يدري، رحمه الله، حتى الآن أن مخطوطته هذه عبرت معي في حقيبة صغيرة صحراء وجدت نفسي أقطعها ذات يوم مشياً على الاقدام، بدءاً من قرية صغيرة اسمها «القائم»، حيث كانت عائلة الصديق الناقد شجاع العاني تقيم هناك. هذه كانت المغامرة الكبرى الاولى التي ما زالت تشغلني للتعبير عنها شعراً وقد فعلت ذلك في ثلاث قصائد إحداها منشورة في كتابي: «الحياة قرب الاكرويدل» وعنوانها «حدود» والثانية في كتاب «الاول والتالي» وعنوانها «مفتاح البيت».

أما الثالثة فإنها لم تنشر بعد، وستظهر في كتابي القادم وعنوانها «بستان المهربين على حدود القائم والصحراء».

÷ أميركا، سان فرانسيسكو. ما الذي أضافته أميركا اليك، وكيف كان المناخ الثقافي، الشعراء، الأجيال، التقليعات وصلتك بهذه الاشياء؟

{ أميركا هي التجربة الكبرى، بالنسبة لأي كاتب يجد نفسه فيها، حينما وصلت إلى نيويورك خالجني شعور بأنني انتقلت الى عالم آخر.

وفي بريكلي حيث ذهبت بعد شهر من وصولي، وجدت نفسي أشارك موكباً من الطلبة، يتظاهرون ضد الحرب في فيتنام حاملين الشموع ومرتلين قصائد هوشي منه الذي كنت قد ترجمت كتاباً له بعنوان «يوميات في السجن» صدر عن «دار النهار». آنذاك. وفي سان فرانسيسكو، حيث كانت إحدى اكبر الثورات الشعرية تحدث في ذلك الحين، أي كتابات شعراء وروائيي البتنيكس، ومنهم ألان غينسبرغ وجاك كيرواك وغريغوري كورسو، وبوب كوفمان الشاعر الزنجي الذي سميّ في فرنسا برامبو الاسود، اذا وجدت نفسي في «نورث بيتس» وهي المنطقة الأجمل والأكثر فورانا في سان فرانسيسكو ومنها انطلقت هذه الحركة التجديدية وحركات أخرى، منها شعر الجاز التي تزعمها كنيث ريكسروث وهو شاعر كبير وناقد وعلامة، توفي قبل سنوات ويعتبر رائداً كبيراً في الشعر الاميركي، لا أعرف كيف أصف ذلك الخضم من الحياة والشعر، ولكن كل ما أعرفه أن السحر الذي نبحث عنه في الكتابة، كان يلف أجواء ذلك العالم، ويجعل من الستينيات عصرا خارقا من حيث ثوريته على مستوى الشارع والحياة الباطنية، ولعل هذا أهم ما أحدثته الستينيات من التغيير في مستوى الرؤية، ومن ثم في فعل الكتابة، فهنا كان عالم الباطن والظاهر يتواشجان ويتساويان من حيث أهميتهما في الموازنة الابداعية، ذلك ان عالم تيموثي ليري وهو الذي يسمى بـ «غورو السايكاديليات» او الكاهن الأعلى للثورة الباطنية، كان تأثيره كبيراً على غينسبرغ وكيرواك، ومن هنا استطاع الأول أن يفجر قريحته بشكل أتاح له أن يهجر اسلوب كتابته الأول الذي كان شبه تقليد لقصائد وليمز كارلوس وليمز والإبحار في اتجاه جديد، حيث كتب قصيدته الملحمية «عواء»، والثاني أي كيرواك في تفجير طاقات الكتابة المعتادة في النثر الاميركي آنذاك، وكتابة روايته «على الطريق» بأسلوب التداعي الحر، وهي الرواية التي غدت في ما بعد الكتاب الملهم للشباب الذين عرفوا في ما بعد بـ«الهبية».

÷ هل ثمة مواصفات للقصيدة الناجحة... ما هي برأيك؟

{ القصيدة الناجحة، هي القصيدة التي تجعلك تقوم بوثبة داخلية للوصول إلى الضفة الأخرى من نفسك.

(من حوار أجراه هاشم شفيق، ونشر بتاريخ 21/8/2009)