يكرر جورج طرابيشي دائماً أن الجابري هو الذي أخذ بيده إلى الابستمولوجيا، لكنه يعتبر أنه هو أيضاً الذي صدمه بخطر الإيديولوجيا حين تكمن كخلية نائمة في «علم المعرفة». هل باستطاعة التراث، وحده، تفسير زواريب العقل العربي والإسلامي المعاصر، وكيف ولماذا يعرف ما يعرفه؟ هكذا يتفرّع الحوار مع جورج طرابيشي...

÷ كُتب ويُكتب الكثير حول التراث العربي والإسلامي. والجابري نفسه ركّز على من اعتبرهم قمم هذا التراث، من مثل ابن خلدون وابن رشد والشاطبي وغيرهم من المغرب العربي دون المشرق، فرأى أن علينا الاستئناف من حيث توقف أولئك. في حين أنك كتبت أن ابن خلدون وابن رشد قد استؤنفا فعلاً في الغرب. والحال، ماذا يمكن للاهتمام بالتراث أن يبيّن اليوم على صعيد الهوية ومكونات الوعي العربي، لا سيما بعد فترة من الانقطاع الفكري التي تكاد تكون عربية حصراً؟

{ أنا أقول إن التراث حقل لم يُفلَح بعد. واليوم، بعدما تجاوزت السبعين، أتمنى لو أني بدأت هذه الرحلة منذ مرحلة الشباب، ولم أنشغل بما انشغلت به في ذلك الوقت، ولو فعلت لكنتُ توصلت إلى أكثر مما توصلت إليه. لعلنا واحدة من أكبر الأمم التراثية في التاريخ البشري، والإنتاج التراثي هائل، لا يمكن لشخص واحد أن يحيط به، وطبعاً أقصد كل التراث: السنّي والشيعي، والفلسفة، والفقه، وكتب الحديث، فضلاً عن الأدب والشعر. فمثلاً «بحار الأنوار» للمجلسي، وهو من الشيعة، يقع في 110 أجزاء، وكل جزء يتألف من أربعمئة إلى ستمئة صفحة. و «تاريخ دمشق» لابن عساكر يقع في ثمانين جزءاً... هذه ليست كتباً، بل موسوعات. لذلك فإن الحفر بالكاد تجاوز الطبقات الأولى.

÷ تحدثنا عن النزاعات حتى ضمن المذهب الواحد... لكن الأسباب تتغير، وهناك فرق بين العصر العباسي والعام 2010... فلماذا تتكرر تلك النزاعات؟ ولماذا لا تقدّم في كتاباتك هذا النوع من الإجابات؟

{ أنا لا أنكر الجوانب الاقتصادية والسياسية والجغرافية في تفسير مثل تلك الظواهر. لكن النزاعات، على امتداد تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، لم تتوقف يوماً. مثلاً، حروب الصحابة التي نشأت بين الامام علي بن أبي طالب والسيدة عائشة، ثم بينه وبين معاوية... الإسلام ظهر في مكة، ثم انتقل إلى المدينة حيث بُنيت النواة الأولى لدولة، فجاء معاوية إلى دمشق – مدينة النصارى. لما صار الخلاف مع علي بن أبي طالب، انتصر نصارى دمشق لمعاوية، قبل أن يؤسس العباسيون عاصمة جديدة في بغداد. ثمة نصوص تقول إن نصارى دمشق نزلوا الى شوارع المدينة حاملين أربعين ألف إنجيلاً انتصاراً لمعاوية. دعيني أطرح سؤالاً: كيف قضي على المعتزلة في الإسلام؟ كيف هُزم أولئك الذين مثلوا أعلى نصاب للعقل في الإسلام؟ هذا سؤال كبير ما زلنا نبحث فيه. اليوم، في الدراسات التقليدية، يكفّرون المعتزلة، وقد أبادوا تراثهم بالفعل، وما عدنا نملك هذا التراث إلا من خلال الردود عليهم، وليس من خلال نصوص أساسية، إلا المتأخر منها... من هنا أقول إن الحفر في التراث مهمة يقتضيها عصرنا... فما زالت «فدك»، القرية التي أخذها الرسول فتحاً وكان يفترض أن ترثها ابنته فاطمة، ثم جاء أبو بكر وحرمها منها، ما زالت «فدك» الى اليوم موضوع خلاف في العراق، فهناك من يدافع عما فعله أبو بكر، وهناك من يلعنه لأنه حرم ابنة الرسول من إرثها.

لكن أليست هذه العناوين اليوم خيمة لصراعات أخرى؟

* حاورته رشا الأطرش (السفير، 23/7/2010).