أدونيس الشاعر والمفكّر والمنظر وأخيراً الرسام هو تقاطعات هذه المجالات واجتماعها، وهو في سجالاته ومواقفه وآرائه الحازمة ومعاركه المتواصلة من أبرز إن لم نقل أبرز الصور الثقافية لعصر مضطرب متزعزع بين الوعود الأولى والنهايات الكارثية. وعين أدونيس على عصره، وشعره وفكره مجبولان بهذا العصر. وإذا كان يتجنب يوميات السياسة وتداعياتها فهو في صميمها الجوهري وخياراتها الاستراتيجية.

أدونيس الفاوستي يحمل رسالة التمرد والاعتراض والاحتجاج، لذا تحلّقنا حوله في جريدة «السفير» بدءاً من صاحبها ورئيس تحريرها طلال سلمان فمديرها العام أحمد سلمان فقسمها الثقافي عباس بيضون واسكندر حبش وصقر أبو فخر وأصدقائها سارة ضاهر ولينا هويان الحسن.

كان لقاء عن أدونيس الذي تدفق بعفوية وصراحة على الأسئلة التي جاءته من كل الجهات.

÷ كيف تبدو لك اليوم صورة ما يحدث في البلدان العربية؟

{ لا أعتقد أن أحداً تردد في الدفاع عن التحولات العربية والوقوف إلى جانبها. وهذا الانفجار كان محموداً ومطلوباً في تونس أو في القاهرة أو في البلدان العربية الأخرى. والجميع يعرف هذه التطورات، ولا أودّ الدخول في تفصيلاتها. لكن المأخذ الأولي عليها هو خلوّها من أي مشروع يشكّل خطوة نحو التغيير. ليس تغيير السلطة، بل تغيير المجتمع، وتغيير الأفكار، وتغيير الثقافة. ولاحظنا أن وراء هذا الانفجار لم يكن هناك خطاب ثقافي تغييري، وأنّ الطابع العام لهذا الانفجار كان دينيا. ولاحظنا أيضاً أنّ المشروع السياسي لهذا الانفجار هو مشروع عودة إلى أصول خانها الناس ويجب العودة إليها، وهي أصول دينية بشكل أو بآخر.

إذا استثنينا القاهرة وتونس، لم يحدث تحرّك شعبي حقيقي وعضوي، بمعنى الانفجار لأسباب داخلية. فقد كانت الانفجارات اللاحقة خارجية أكثر منها داخلية. كنت أودّ أن أشاهد تظاهرة كبيرة تخرج من دمشق أو حلب، أي أن يخرج الناس إلى الشارع في تظاهرة لتغيير مجتمعهم، على غرار ما حدث نسبيا في تونس أو في القاهرة. الملاحظة الأخرى، هي تحوّل هذه التحرّكات إلى حركات عنفية مسلحة، ما أفسح في المجال لدخول عناصر من الخارج، مرتزقة، يمارسون القتال على الأرض. هذا الدخول في التفصيلات مهم إذا ما ربطناه بالتاريخ العربي. باختصار، إنّ غاية الانفجار كانت تدور حول السلطة بهدف تغيير النظام، ولم يكن وراءها أي مشروع شامل على الإطلاق، فلم نشهد طوال تاريخ الثورات مشروعاً للتحرر يأتي من الخارج، لذلك فإنّ هذه التحرّكات قائمة على التبعيّة بشكل أو بآخر. واليوم، تبدو البلدان العربية أكثر تبعية للخارج من أي وقت مضى. فكيف يمكن أن نعيش حالة ثورية، فيما هذه الجماعات السياسية المسلحة تابعة لقوى الخارج ومرتهنة لها، وهو ما لم يحدث في تاريخ البلدان العربية، حيث باتت السياسة الأجنبية قادرة على احتلال العرب من داخلهم، وهذا الأمر يجب أن يرتبط بتاريخ معين وثقافة معينة.

÷ كيف ساد الإسلام؟

{ الإسلام لم ينشأ كتبشير غير عنفي، بل نشأ، منذ البداية عنفياً. فالسيدة خديجة على سبيل المثال كانت تاجرة، ونبينا بدأ حياته في التجارة، والخليفة الأول كان تاجراً، والخليفة الثاني كان تاجراً أيضاً، وكذلك الخليفة الثالث... ونشأ الدين كتجارة ومال، أي سلطة. ويجب أن نتساءل: كيف أنّ هذه النشأة قسّمت فوراً العرب. فقد كان العرب المسلمون قسمين: قريش والأنصار. والأنصار هم من ناصر النبي ودافع عنه ضدّ قبيلة قريش. وكيف أُقصي الأنصار حينما أفصح سعد بن عبادة الأنصاري عن طموحه في السلطة حين قال: منكم أمير ومنّا أمير، وكان القصد إحداث نوع من الشراكة مع القرشيين. وعلى هذا الغرار بقيت قريش نفسها مقسومة، فحتى داخل قريش، صرّح الخليفة الثاني أنّه لا يحق لبني هاشم أن تكون النبوة والخلافة فيهم. بل إذا كانت النبوة فيهم فإن الخلافة يجب أن تكون في غيرهم. والخمسون سنة الأولى من تأسيس الإسلام كانت كلها قتالا قرشيا ـ قرشيا، أمويا ـ هاشميا. إذاً نشأ الإسلام في مناخ تجاري سلطوي عنفي. أي إن العنف كان جزءاً أساسياً من البنية الثقافيّة التي عشنا فيها طوال هذه الحقب.

÷ أنت تعتبر أنّ المشكلة تكمن في الجذور، وهذه المسألة تحتاج إلى نقاش، إذ إنّ الشعوب العربيّة مرّت بأطوار عديدة منها الطور التأسيسي الأوّل وصولاً إلى الطور الكولونيالي وبالتالي يتراءى كأنّ المسألة هي مسألة أديان، مسألة الإسلام واليهودية والمسيحية.

{ أنا لا أقول إنّ المشكلة تكمن في الأصول. إن المشكلة تكمن في قراءة الأصول. المشكلة ليست في المسيح، بل كيف تمّ فهم المسيح. المشكلة هي كيف نقرأ النص. فالأصول تمأسست في ظلّ قراءات سلطويّة وسياسيّة. ومع ذلك لا أقول إنّ الخطأ فيها وحدها إنما أقول إننا لا نستطيع أن نفهم ما يجري اليوم. ولا نستطيع أن نفهم حتى داعش أو النصرة أو التيار الديني السائد ما لم نفهم هذه الأصول ونصوصها التأسيسية، لأن داعش لم تأتِ من فراغ. داعش جزء أساسي من التاريخ الإسلامي.

& أعدت الحوار للنشر سارة ضاهر وحرره صقر أبو فخر ونُشر في 19/6/2015.