في أواخر أيار 2001، بينما الانتفاضة الفلسطينية في ذروة احتدامها، أراد الدكتور هشام شرابي ان يكون بين شعبه في فلسطين. وعلى مدار اسبوع كامل جال في معظم الأماكن من الناصرة في الشمال حتى يافا في الوسط، فإلى القدس والخليل ورام الله في الضفة الغربية. تنقل بين روابي الجليل ومنحدرات الكرمل وبطاح القدس وقفار بيت لحم، ولم ينسَ مسقطه في يافا، ومدرج طفولته في عكا، ومدرسته الأثيرة في رام الله، فكان له من هذه البقاع ذخيرة وذكرى.

عن رحلته الى فلسطين، وفي مدينة بيروت، كان هذا الحوار:

÷ كنتَ في فلسطين مع غروب شمس الانتفاضة الأولى. وها أنت الآن آتٍ من فلسطين والانتفاضة الثانية في ذروة احتدامها. ماذا رأيت؟ ماذا يحصل الآن؟ وما الفارق بين الزمنين؟

{ ذهبتُ إلى فلسطين، هذه المرة، عبر جسر الشيخ حسين، أي من الأردن. وكنت الوحيد الذي يجتاز الحواجز الاسرائيلية في ذلك اليوم. وكان في انتظاري بعض الأصدقاء من «التجمع الوطني الديموقراطي» الذي يرأسه الصديق عزمي بشارة، وهم من مدينة الناصرة بالتحديد. دخلت الناصرة وأنا مثقل بالقلق والذكريات والشجن. ولكن ما ان وصلت المدينة والتقيت الناس وتحدثنا معا، حتى بدأ اضطرابي يهدأ. ثم بدأت رحلة في ربوع فلسطين دامت سبعة أيام متواصلة، جُلت فيها على عكا وصفد وحيفا، ثم رأيت يافا. غير ان زيارتي يافا اقترنت بمناسبة حزينة؛ فقد شيعنا الراحل ابراهيم أبو لغد الصديق والزميل. وبعد ذلك اتجهت الى القدس برفقة عزمي بشارة. ومن القدس يممت شطر الخليل. هناك، في تلك الديار المنتفضة، شاهدت الواقع الفلسطيني بأم عيني، وبصورته الصميمية. ودهشت، حقا، عندما رأيت مزارعين وقرويين يحتفلون، بشغف، ببناء مكتبة ثقافية ساهم «صندوق القدس» في واشنطن في إنشائها وتجهيزها. كانوا فرحين حقا، ويستعيدون تقاليد الريف الفلسطيني من الغناء والدبكة والقاء الشعر. كانت سويعات من الدهشة والمتعة معا. وإنه لمشهد شديد الأمل عندما يحتفي الناس بالثقافة في الوقت الذي يقاتلون فيه ويشيعون جنائز أبنائهم.

نحن سائرون الى دولة على غرار جنوب افريقيا في الأربعينيات والخمسينيات، أي فصل إثني قائم على العنصرية. وهم ما عادوا يتورعون اليوم عن الإفصاح عن هذه العنصرية، انهم يتكلمون عن Ethnic Seperation، ويريدون ان يصلوا الى الطرد Expulsion او «الترانسفير» كما يسميه بعضهم. اننا أمام وضع سيصبح فيه الفلسطينيون مجرد ناس Under Class، او مجرد مواطنين بلا حقوق Natives. أما حقوقهم كشعب فلا يمكن الاعتراف بها أبدا. هذا غير ممكن الآن، لأننا وصلنا الى وضع نستطيع ان نقول فيه ان من المحال اعادة عقارب الساعة الى الوراء (you can not reverse the process). نحن نتجه الى دولة ثنائية القومية ولكن لا حقوق متساوية مع الآخر لإحدى القوميتين.

حاوره: صقر أبو فخر في 5/6/2001