أردت أن يكون هذا اللقاء مع سعد الله ونوس، منذ مدة طويلة. ولكن كان دائماً، ثمة ما يحول بيننا وبينه. وأخيراً تم بعد أن كان ونوس انتهى، تقريباً من كتابة نصين مسرحيين جديدين له، الأول يحمل عنواناً لافتاً: «حوار ما بين الدكتور مينوحيم وسعد الله ونوس». والثاني عنوانه «منمنات تاريخية».

وكان في قصدي أن أسأل ونوس حول انقطاعه عن الكتابة المسرحية. ومحاورته في ذلك. إلا أن كتابته للعملين المسرحيين فتحت أفقاً غير منتظر في الحديث معه، الذي كان مناسبة بمعنى ما، لمراجعة تجربة هذا المسرحي العربي المعروف، الذي قدم للمكتبة العربية، أعمالاً لا تزال موضع أخذ ورد، من منطلقات عديدة.

والأبرز في هذه المقابلة، انفتاحها على تاريخه، بقدر انفتاحها على جديده، حيث لا شك تبدلت عنده معطيات وتكونت معطيات جديدة، على صعيد شخصي، يستتبع صعداً أخرى، سياسية وفكرية وثقافية وبيئوية فالمسرحية التي كتبها ونوس (نشرت في العدد الأخير من الزميلة «الحرية»)، وهي «حوار ما بين...»، تشكل نقلة في التعاطي مع الموضوع العربي الإسرائيلي بالانطلاق من وعي تنويري آخر، لا علاقة له ببعض سلفيات يسارية سابقة. «عمري ما كتبت عن إسرائيل، رغم أن كل مسرحياتي كتبت تحت وطأة الهزيمة»، يقول ونوس. وإسرائيل تخيم عليها، شبحاً أسود. ولكن تحاشيت، باستمرار أن أحكي عن إسرائيل نفسها. ودائماً اعتبرت أن هزائمنا نحن المسؤولين عنها. وكان الذي يهمني بالدرجة الأولى، هو النظرة الداخلية. الآن بعد كل هذه السنوات، تابع ونوس، بعد كل هذه التحولات وكل الهزائم، نحن في وضع تاريخي مستحيل، والحقيقة إذا تعمق فيه المرء، مثل أي وضع ثنائي في التاريخ، الجلاد والضحية هما في ورطة».

قال لي ونوس، «إنها مغامرة، المسرحية الجديدة. كتبت مسرحية لها خطين، خط فلسطيني وخط يدور داخل إسرائيل، أبطاله يعيشون داخل إسرائيل».

سعد الله، يعود إلى الخوض في احتمالات العيش، وبالتالي احتمالات الثقافة والفكر. ولا يفيد هنا تذكر عناوين مسرحياته القديمة. إذ أن المحاولات الجديدة، سوف ترد إليها، من وجهة نظر تتخطى. وهذا الحوار، له أن يوضح، أو أن يكمل صورة بقيت ناقصة، إلى حد ما، أمام جمهور عربي كبير، تابع مسيرة ونوس، في مناحيها العديدة.

يذكر أنه أعلن ليل أمس، فوز سعد الله ونوس بجائزة السلطان عويس في مجال المسرحية. وقد أعلن ذلك «اتحاد وأدباء الإمارات».

÷ عدت للكتابة. وجديدك كما قلت لي مسرحية بعنوان «حوار ما بين الدكتور مينوحيم وسعد الله ونوس» ومسرحية بعنوان «منمنات تاريخية».

والعودة إلى الكتابة، تعني أن ثمة زمناً قد توقفت فيه عنها. أو أعرضت. ولا أحد يقدر أن يقول بأن تلك الحالة السابقة، تعود إلى وصول كتابتك إلى المدى المطلوب ثمة قضايا فعلية / أساسية وجوهرية، في حياتك، فرضت حال التوقف أو الأعراض. وأنت الأدرى بها، والأجدر بالكلام عنها.

{ «الحقيقة أن هذا الموضوع قد شغلني كثيراً. وفكرت به. وكان مهماً لي، أن أحدد ماهية الصمت. لا، ليس الصمت، نوع من الرغبة الممتزجة بشعور العجز. حاولت كثيراً، أن أفهمه. كيف ولماذا؟ طبعاً، كل الأسباب الخارجية. الناحية الصحية مثلاً، هي نتائج وليست أسباباً.

وببساطة اكتشفت، إننا جيل، بدأ يكتب وقد عمل سلفاً عملية ربط عميقة وعفوية بين النشاط الثقافي والكتابة. وبين القضية الوطنية والنشاط السياسي. مثلاً، أنا شخصياً لم أواجه في عمري مسألة الكتابة، على المستويات التي تواجه بها عادة، أي مستوى الأسلوب والتقنية والبحث الجمالي. كانت كل هذه الظواهر تطرح على صعيد أعمق، هو صعيد الجدوى والفعالية. يعني باختصار، أن جيلنا صاحب مشروع. وكان يعتقد أن هذا المشروع ممكن، وإن ما يفصلنا عنه هو تعميق النضال، وتلافي الأخطاء التي تعترض مسيرة تيار وطني، كنا نظن أنه يمضي بخطى مستقيمة، نحو إنجاز هذا المشروع.

في هذا السياق كنا نعمل، وفي هذا السياق كنا نكتب ونطرح مشكلات الكتابة في الوقت نفسه. ولكن في نهاية السبعينيات كان من المكابرة، ألا يعترف المرء بأن هذا المشروع قد انهزم. وإن المستقبل ليس طريقاً مضمونة ولا مؤكدة. مثل هذا الاعتراف، كان يعني تمزقاً في الوعي الفردي. وكان لا بد أن ينعكس ذلك على كل فعاليات الإنسان بما في ذلك الكتابة.

عبيدو باشا، ١/٢/١٩٩٠