كان من أبرز مفكري الجيل الذي ظهر في سوريا في مرحلة المخاض الوطني والفكري، أي في الحقبة التي امتدت منذ جلاء الاستعمار الفرنسي عن الديار السورية إلى سبعينيات القرن المنصرم. وشكل ياسين الحافظ ظاهرة فكرية حقيقية، فبينما دفع الانفصال في سنة 1961، والصراع الناصري ـ البعثي قبل ذلك، كثيراً من البعثيين إلى الاتجاه نحو الماركسية (تجربة حركة لبنان الاشتراكي في لبنان مثلاً)، فإن ياسين الحافظ ذهب من الشيوعية إلى البعث، وساهم في تلقيح الفكرة القومية بالمفاهيم الماركسية. وكان من بين الذين ساروا في هذا الاتجاه، وبالتوازي معه، صديقه الياس مرقص. وكان لبعض مواقفه السياسية صدى كبير لدى الجيل العربي الشاب الذي راح وعيه السياسي يتبلور بعد هزيمة الخامس من حزيران 1967 أمثال جوزف سماحة في لبنان وجاد الكريم الجباعي في سوريا، فاتخذ موقفاً رؤيوياً وكاشفاً من الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان في 13 نيسان 1975، فرفض الجانب الطائفي فيها، وانتقد مشاركة اليساريين والقوميين فيها، وحذر من مخاطرها وعقائبها، وتبين أن هذا الموقف كان صائباً على حد كبير. ولعل لوالدته الأرمنية، أو لزواج والده من امرأة مسيحية، شأن كبير في تفتح وعيه على قضايا الأقليات والأكثريات والديموقراطية، فضلاً عن قضية فلسطين التي انتمى إليها كخيار قومي، وتطوع للدفاع عن أهلها في سنة 1948. مهما يكن الأمر، فإن إسهام ياسين الحافظ في الكتابة الراقية في جريدة «السفير» أمد الجريدة بمادة فكرية غنية ساهمت في إغناء الحوار والسجال على صفحات «السفير»، ومنحته طعماً قومياً عربياً ويسارياً في الوقت نفسه.

ولد ياسين الحافظ في دير الزور في سوريا عام 1930، ودرس في بادئ الأمر في الكتاتيب، ثم في إحدى مدارس السريان الأرثوذكس وفي تلك المدرسة تعرف إلى القداس وتعاليم المسيحية. وتأثر في بداية حياته السياسية بحركة رشيد عالي الكيلاني في العراق وأخبارها. وكان لمقتل الملك غازي بن فيصل الأول أثر كبير في تكوين أفكاره القومية.

ترك المدرسة وهو في السابعة عشرة، وتطوع للقتال في فلسطين سنة 1948 مع عبد الكريم زهور أحد أنصار أكرم الحوراني، وانضم إلى «جيش الإنقاذ»، وأمضى في مدينة صفد أقل قليلاً من شهر. وبعد عودته إلى سوريا عمل في حقل التعليم، وصار عضواً في الحزب الشيوعي السوري. لكنه لم يتردد في تأييد الوحدة المصرية ـ السورية ودافع عنها ضد خصومها من الشيوعيين وغيرهم، ولم يلبث أن ترك الشيوعية وانضم إلى «حزب البعث» في أوائل ستينيات القرن العشرين.

أسس «حزب العمال الثوري العربي» في أواسط الستينيات، وانتقل إلى العيش في بيروت، وافتتح داراً للنشرهي «دار الحقيقة»، ووقف ضد الحرب الطائفية والأهلية التي اندلعت في 13 نيسان 1975. وتوفي في بيروت في 28/10/1978 بعد حياة قصيرة، لكنها حافلة بالكتابة والتأليف والنضال السياسي.

صقر أبو فخر