وإذ تفتتح «السفير» هذا الملف في وقت ينــزف فيه الجنوب دماً وخراباً ودماراً تحت الضربات الهمجــية الإسرائيــلية، فليس من قبيل الرغبة بـ «نشر الغسيل» لا غير. فلــعل وعسى ان يكون باقيا في جهاز الدولــة المختــص صاحب وجدان يسمع ويرى. لا سيما أن المسألة تمس حيــاة النــاس في الصــميم وأن مثل صاحــب هذا الوجدان ربما ردّد يوما «قَــسَم أبقــراط» الشهير... بوصفه طبــيباً من الأطباء.

ماذا عن «ملف الصحة» في الجنوب يا رعاكم الله؟.. مستشفيات حكومية، فيها مئات الأسرّة تتحول إلى مستوصفات معطّلة أو شبه معطّلة.. تجهيزات كلّفت عشرات الملايين لا تعمل وأطباء وممرضون ومستخدمون يقبضون الرواتب ولا يقدمون خدمة، ومع ذلك ليس من سلطة تقول لهم «ما أحلى الكحل».

فاذا لم يكن كل هذا فضائح فكيف تكون الفضائح يا ترى؟

وبعد فهذا هو الملف وهو الذي يتكلم:

خلال زيارة الوزير ناظم القادري إلى الجنوب، كان موضوع الصحة على رأس المطالب التي رفعها إليه الجنوبيون. فالمرضى والمصابون منهم يسقطون يومياً بالعشرات، والمستشفيات الحكومية أمام اعينهم مقفلة. والمستوصفات الرسمية معطلة. أو هي في أحسن الأحوال، تصف الدواء ولا تعطيه. وأقرب مستشفى خاص إليهم يقع على مسافة أكثر من ساعتين بالسيارة في صيدا.

ظروف الحرب التي يشهدها الجنوب اليوم لم تبدّل سياسة الإهمال التاريخية التي كانت تسير عليها المؤسسات الصحية الرسمية تجاه الجنوب. وانما زادتها تفاقما. فوصلت الأمور الى حد نستطيع القول معه بأن الدولة نفضت يدها من مسؤولياتها الصحية تجاه تلك المنطقة الملتهبة وعلى نحو كامل.

حتى لكأن الدولة «أخذت موقعها في القتال ضد الجنوب». فإسرائيل تقصف من جهة، والدولة تترك الجنوبي ينزف حتى الموت من الجهة الأخرى... هذا مع العلم ان الدولة تملك القسم الأكبر من المؤسسات الصحية في الجنوب، او تشرف عليها.

وزارة الصحة تملك خمسة مستشفيات حكومية (صيدا، صور، تبنين، مرجعيون وجزين) تتوزع على مناطق الجنوب المختلفة وتحتوي على 360 سريراً، أي ما يفوق عمليا عدد الأسرّة في المستشفيات الخاصة العاملة في الجنوب والتي يبلغ عددها 350 سريرا. وتملك وزارة الصحة أيضاً أكثر من 7 مستوصفات ومثلها مراكز لطبابة القضاء في اقضية الجنوب المختلفة. وجميع هذه المؤسسات اما معطل كليا او مشلول او يعمل بإنتاجية منخفضة.

كما تملك مؤسسة الصليب الأحمر اللبناني تسعة مراكز صحية في قرى الجنوب، ومركزين اخرين في صيدا وصور، وهي معطلة في معظمها أو مشلولة. ويقتصر العمل الصحي للصليب الأحمر اللبناني في الجنوب على 3 مستوصفات في قرى قضاء صور واثنين اخرين في الشريط الحدودي.

هذا الوضع الصحي الصعب، أدى عمليا الى اعتماد المواطنين الجنوبيين على الطبابة والاستشفاء في المؤسسات الصحية الخاصة، والتي تتمركز في معظمها بعيدا عن المناطق الحدودية فيضطر المواطن ـ مريضا كان أو مصابا ـ الى الانتقال من راشيا الفخار إلى زحلة مثلا ومن شقرا إلى صيدا، مما يعرّضه لشتى المضاعفات.

وتقتصر الخدمات الصحية الأخرى في مناطق الجنوب الواقعة جنوب مدينة صيدا على ما تقدمه المستوصفات التي انشأتها المجالس السياسية الإقليمية والنجدة الشعبية والمؤتمر الوطني لدعم الجنوب وبعض الهيئات المحلية الأخرى.

من هنا تبدو مسؤولية الدولة الكبيرة في تردّي الأوضاع الصحية في الجنوب ومسؤوليتها المضاعفة في عدم التشغيل الفعلي للمؤسسات الصحية الرسمية، خاصة في الظروف الحالية.

عبدالله هاشم ـ ١٧/٩/١٩٧٩)