عانى الطفل بان كي مون الصغير من ويلات الحرب في كوريا، واختبر مشاعر الخوف من القنابل والتفجيرات وحياة التشرد قبل أن يكبر ويصبح الأمين العام للأمم المتحدة، الذي «يعرب عن قلقه» في كل مناسبة.

يظهر لنا رجل الديبلوماسية العالمية الشهير، كاشفاً تفاصيل خاصة من حياته الشخصية، في فيلم قصير جديد بعنوان «Home» (الوطن، المنزل)، الذي أنتجته وبثته الأمم المتحدة بتاريخ (22-12). أرادت المنظمة أن توصل عبر الشريط، كما تقول في قناتها على «يوتيوب»، «جرعة من الواقعية» باستخدام تقنيات حديثة تتيح للمشاهدين فرصة اختبار «السفر افتراضياً» حول العالم برفقة الأمين العام بان كي مون لكي يشهدوا حقيقة الأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

الكونغو وبيروت والأردن كانت بضع محطات ضمن رحلة الأمين العام طوال خمسة أشهر زار فيها عشرة بلدان تختبر ظروفاً صعبة أجبرت الملايين على ترك بيوتهم أو أوطانهم. هدفت الرحلة إلى لفت الانتباه العالمي لمعاناة ما يزيد عن 130 مليون إنسان من ضحايا الحروب والنزاعات المسلحة.

يقول الفريق المشرف على المشروع إنه صوّر لقطات نادرة من وراء الكواليس للزيارات التي قام بها بان للمجتمعات المتضررة. لكن المُشاهد لا يكاد يفهم ما هو النادر أو الجديد في المنظور الذي تتبناه الأمم المتحدة في فيلمها الجديد، باستثناء التركيز الشديد على شخصية الأمين العام وذكريات طفولته المؤلمة.

التعامل مع الأزمات العالمية من منظور شخصي، يذكرنا بالآلية الدعائية التي اعتمدها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في استراتيجية العلاقات العامة الخاصة به. إذ إننا نرى خلال الفيلم، بان مرتدياً قبعة شمسية زرقاء اللون وقميصاً قصير الأكمام، بدلاً من البدلة الرسمية التي رافقت صورته في المحافل الدولية، نشاهده يفضي للأطفال في إحدى المدارس الإفريقية ببعض الأسرار حول نشأته المتواضعة. هو مثلهم أجبر على النزوح عن مدينته، وشاهد مدرسته تتهدم جراء القنابل حيث اضطر أن يدرس على الأرض، أو في ظلال الأشجار. لكنه يكمل بحماسة: «إلا أنني أصبحت اليوم الأمين العام للأمم المتحدة، هل تصدقون ذلك؟» ويكمل ليخبرهم بأن واحداً منهم قد يشغل مكانه ذات يومٍ. وفي أجزاءٍ أخرى من الفيلم نشاهد لقطات تخيّلية عن الحرب الكورية عام 1950 قوامها الذكريات التي يسردها بان كي مون حول تلك الحقبة، عبر توظيف بعض الصور الفوتوغرافية والمؤثرات البصرية ثلاثية الأبعاد.

«بان كي مون ابن الأعوام الستة» الذي شاهد قريته تحترق نزح مع عائلته إلى الجبال المجاورة. قبل أن يأتي «الأبطال الخارقون»، المتمثلين في قصته برجال الأمم المتحدة و«اليونسيف»، لإنقاذ الناس وتوزيع الأطعمة والألعاب على الصغار. «خلال الاوقات الصعبة كانت الأمم المتحدة إلى جانبي، والآن أريد أن أضمن بأنها ستكون برفقة من هم بحاجتها»، يقول الأمين العام.

لا يحمل الفيلم جديداً، على صعيد الصورة أو المضمون، فهو مثقل بالإحصائيات حول أعداد المهجرّين جراء الأزمات والحروب، يصور لقطاتٍ من قلب المخيمات، ويلتقي أناساً ملهمين يحاولون تجاوز محناتهم والتفكير بمستقبل أكثر اشراقاً، في مواضع أخرى من الفيلم يؤكد الأمين العام للأمم المتحدة بأن منظمته تريد أن تُظهر لهؤلاء النازحين تعاطفًا يستحقونه، وتخبرهم بأنهم ليسوا متروكين وحدهم.

مع اقتراب عام 2016 من نهايته، تعود مشكلة التشرد لتطفو على السطح كأحد أبرز القضايا الملحة. لكن للتشرد الذي يشغل وسائل الإعلام أشكال مختلفة، فهناك من هجر بيته قسراً جراء الحروب المسلحة، وهناك في قلب أوروبا وأميركا من بات يعيش في الشوارع بعد أن فقد منزله جراء الأزمات الاقتصادية. وقد ظهر خلال الأسابيع القليلة الماضية عدد من الحملات العالمية التي تستنكر تزايد أعداد المشردين. إحدى تلك المبادرات حملة «هوم سويت هوم» الإيرلندية التي شارك فيها عدد من الفنانين أمثال الموسيقيين غلين هانسرد وهوزاير، للإضاءة على معاناة ما يقارب (6,525) مشرداً في إيرلندا. فيما تناقلت وسائل الإعلام، في سياقٍ آخر مستجدات حادثة إضرام النار برجل مشرد في برلين من قبل عصابة من المراهقين السوريين والليبيين، في حادثة تدلل على أن الاحتقان والغضب يدفع المُهمشين من المهاجرين للانتقام من مهمشين مثلهم.

عام آخر مثقلٌ بالعنف والأزمات الاقتصادية ينتهي، لا تملك الأمم المتحدة في ختامه سوى تمجيد اسمها وإظهار «تعاطفها» مع من فقدوا بيوتهم. تبدو المنظمة الدولية في حملتها «Home» عاجزة أكثر من أي وقت مضى عن الخروج باعتذار أكثر ابتكاراً. بان كي مون يَعِدُ أطفال أفريقيا بأن أحدهم قد يشغل منصبه مستقبلاً، كما لو أن ذلك قد يكون أقصى أحلامهم.