هاجسان يحكمان تفكير الخبير في القانون الدولي الدكتور داوود خيرالله، عند سؤاله عن ملف المحكمة الخاصة بلبنان. الأول: ضرورة الوصول الى العدالة في قضية الرئيس رفيق الحريري. الثاني: «المؤشرات غير المهنية» التي رافقت وترافق التحقيقات، والتدخلات التي حوّلت المحكمة الى مؤسسة مشكوك بإجراءاتها، فضلا عن المناخ السياسي الذي صاحب تشكيلها والتجاوز الصارخ للدستور اللبناني، وإقرارها بموجب الفصل السابع، في سابقة تزيد من منسوب الشك لدى نحو ستين بالمئة من اللبنانيين، بحسب استطلاعات الرأي المعلنة.

قراءة متأنية لخيرالله يقارب فيها الحلول والبدائل، «حرصا منا على العدالة والحقيقة»، ترفع من منسوب الأسئلة عن الفائدة من «محكمة» تسببت عيوب تشكيلها بتوليد حالة من الانقسام بين اللبنانيين، ومن أحكام تُبنى على تحقيقات كيدية، ويعوزها إجماع وطني، حاول العديد من الحرصاء تأمينه قبل أن يتم تهريبها وإقرارها بموجب الفصل السابع بإيحاءات خارجية.

يقول خيرالله: «إن جميع مراحل الإجراءات القضائية التي اتخذتها الأمم المتحدة، من لجنة التحقيق الدولية ومَن ورثها، تثير الشكوك، فكل ما قام به رئيس اللجنة الأول ديتليف ميليس مخالف لأبسط قواعد التحقيق الجنائي. ولا يعكس ما قام به مجلس الأمن من رغبة جدية في تقصي الحقيقة وبلوغ العدالة بأي شكل من الأشكال».

ويدلل خيرالله على ما يقول: «في العام 2005 اغتيل الحريري وفي العام 2007 أنشئت المحكمة، وبين هذين التاريخين، أي في العام 2006، ارتكبت إسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في لبنان لمدة 33 يوما ولم يتدخل خلالها مجلس الأمن لإيقاف هذه الجرائم ولم يقم بالوظيفة التي وجد من أجلها. فأن يقال أن الدافع وراء قيام المحكمة أو أي إجراءات قضائية، هو بلوغ العدالة ومعرفة الحقيقة، فهذا ينطوي على شكوك هائلة».

من أين تتأتى الشكوك؟

يجيب خيرالله: «أمامنا محكمة دولية وحيدة لا تحاكم على جريمة معترف بها دوليا. ولو أحيلت هذه الجريمة على محكمة الجنايات الدولية لردت شكلا لأنها غير موجودة في لائحة الجرائم الدولية. ثم أن الأساس القانوني لهذه المحكمة، يجعلها غير مستوفية الشروط القانونية والدستورية. إن رئيس الجمهورية في لبنان هو المعني بالتفاوض في الاتفاقات الدولية ومجلس النواب يوافق ويبرم مثل هذه الاتفاقات، وهما لم يفعلا ذلك. انها المحكمة الوحيدة التي أنشئت بموجب الفصل السابع، وكأنما مراعاة أحكام الدستور اللبناني تشكل تهديدا للسلم والأمن العالميين».

لكن نحن في خضم الإجراءات والمحاكمات؟

يقول خيرالله: صحيح. الهدف هو العدالة، ويجب أن يكون لدى الشعب بصفته المتلقي لحكم المحكمة كامل الثقة بها. واقع الحال أن ستين في المئة من الرأي العام لا يثق بالمحكمة وباستقلاليتها. ولا يثق بها كمصدر للعدالة. ثمة أمور كثيرة تثير الشبهة في ذهني. ولا يمكن التغاضي عنها في سياق فهم المشهد. أربعة ضباط أوقفوا لمدة تقارب الأربع سنوات، بتهم زور، وأخلت المحكمة سبيلهم، ألم يثر ذلك في ذهن المحكمة الشكوك حول مَن هو الذي دفع بشهود الزور؟ مَن جاء بهم ولماذا؟ أليس لذلك تأثير على الحقيقة التي نبحث عنها؟ أنا كمحقق، أو كقاضي تحقيق، يهمني أن أعرف من يقف وراء شهود الزور بهدف وضع الضباط الأربعة في السجن، وهم كانوا المسؤولين عن الأمن. لقد سهّل توقيفهم مهمة اسرائيل بالاعتداء على لبنان في العام 2006 حيث كان الهدف إفراغ الساحة أمنيا. كل ذلك لم يَعنِ شيئا للمحكمة التي تتحول لتصبح أداة لمقاضاة صحافي يحاول أن يقوم بواجبه كرقيب.

ويتابع خيرالله: «في كل دول العالم الإعلام هو الرقيب الوحيد، والمحكمة تلاحق الإعلام لإسكاته، فيما تتغاضى عن الأخطاء».

يشير خيرالله الى مقاربة غريبة وهي كيف أن التسريب كان سيد الموقف خلال مرحلة التحقيقات السرية، وأن منع الرقابة ناشط في مرحلة المحاكمات العلنية. ويشرح: «في القضايا الجنائية هناك مرحلتان: أولا، مرحلة التحقيق وثانيا، مرحلة المحاكمات. التحقيق سري وسبب سريته إعطاء المحقق جميع المجالات لتقصي الحقيقة والتأكد منها بتجرد. إن مخالفة أمور جوهرية كهذا الأمر هو نوع من التضليل، فمثلا يمكن القول إن بعض الشهود الذين استمع اليهم ديتليف ميليس واغتيلوا في ما بعد، كانوا ضحايا الاعلان عن شهادتهم. انها امور مخالفة لجوهر القواعد الأساسية للتحقيق الجنائي الدولي. أنا لا أقول شيئاً عن مرحلة المحاكمات، لكن كل محاكمة هي نتاج ثمار التحقيق، وكل الشبهات تدور حول قضايا التحقيق، وحول رغبة وإرادة مجلس الأمن الذي رعى هذه الإجراءات وصولا للمحاكمة».

يشدد خيرالله على أهمية عامل الثقة، وهي ثقة مفقودة، فالغالبية لا تثق بالإجراءات، ولا بنيّة مجلس الأمن الذي أقام هذه الإجراءات، وهو كان قد شاهد وقبل ورعى جرائم حرب ارتكبت ضد الشعب اللبناني في الفترة ما بين اغتيال الحريري وإقامة المحكمة.

يسأل خيرالله عن المصلحة الوطنية وعن الفائدة من عمل المحكمة وسط هذا الانقسام؟ ويرى أن الحل يكمن في «أن تقوم لجنة مؤلفة من حقوقيين لبنانيين يمثلون شرائح مختلفة ويتمتعون بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية القضائية، بما يضمن أن تكون رقيبة على التحقيقات التي جرت، وأن تنظر في ما إذا كانت التحقيقات كاملة وتامة، في ضوء ما سمعنا وقرأنا عن تدخلات ومخالفات كبيرة في المعايير والإجراءات».

والحل الآخر، يضيف خيرالله، يكون «بإحالة الملف الى القضاء اللبناني وإقامة مثل هذه اللجنة أيضا، للرقابة كي نسقط أي شك من أي جهة كان».

ويختم: «ما يهمنا بالدرجة الأولى أن نعرف الحقيقة، وأن تأخذ العدالة مجراها، لكن عندما نعلم ونتأكد بأن الإجراءات القضائية كانت مسيسة، علينا أن ندرك أن أول ضحايا التسييس القضائي هو العدالة ومعرفة الحقيقة».