سكت صوت فيروز في الأحياء السورية مع اختفاء سيارات بيع الغاز الجوّالة، وبات تأمين «أسطوانة الغاز» أقصى أماني المواطن السوري واكثرها بعدا. في الوقت ذاته انقطعت مادّة الغاز من الأسواق الرسمية السورية، وبدأت أزمة الغاز بالتفاقم مع مجيء فصل الشتاء، خاصّة أن المادّة باتت وسيلة التدفئة الوحيدة لدى السوريين في ظلّ نقص حادّ لمادة المازوت، ووسط انقطاع مستمر للتيار الكهربائي حيث بلغ عدد ساعات القطع حدود الـ 20 ساعة يومياً.

بعد انتظار دام أكثر من أسبوع، وعند الساعة الحادية عشرة ليلاً، وصلت أخيراً سيارة الغاز «نوع سوزوكي» حاملةً الدفء معها إلى أهالي أحد الأحياء في مدينة اللاذقية. علم أبو محمد بوصول «سيارة الفرج» عن طريق الصدفة عند سماعه لصوت قرقعة الأسطوانة. أطلّ من النافذة ليتتبّع مصدرها، فرأى أحد جيرانه يُدحرج الأسطوانة على طول الطريق. قال أبو محمد لـ«السفير»: «بقيت عشرة أيام بلا غاز، وما كان عندي أمل إني أمـّن جرة كل شتوية بتخلق نفس الأزمة»، مُضيفاً بسخرية «ما بقا يعرفوا يحلّوها لقضية الشرق الأوسط؟».

شراء أسطوانة غاز لم يعد أمراً عادياً، إنما يتطلّب من المواطنين اتباع بعض الإجراءات والتدابير. واحد من تلك الإجراءات، يتمّ عن طريق تسجيل الاسم عند مختار الحي، وانتظار وصول «سيارة الفرج» لتوزيع الاسطوانات الزرقاء على الأسماء المسجلة. حصّة كل عائلة سورية هي اسطوانة كل أسبوعين، بحسب تقديرات مختار حيّ الرمل الشمالي في مدينة اللاذقية، الذي شرح لـ«السفير» أنه يُشرف على التوزيع فقط «من أجل التدخّل في حال حدوث أي مشكلة أو شجار، ولا علاقة لي بأي شيء آخر».

وعلى الرغم من أن الحكومة السورية حدّدت سعر أسطوانة الغاز بـ2600 ليرة سورية (تُعادل الدولارات الخمسة)، إلا أن ندرة توفّر المادّة أدى إلى التلاعب بسعرها واستغلال حاجة المواطنين لها، حيث تجاوزت سعر الأسطوانة الواحدة عتبة الخمسة آلاف ليرة سورية، أي ما يُعادل الدولارات العشرة، فيما يقدّر متوسط دخل المواطن السوري بـ 70 دولاراً.

لا يبدو أبو طارق (موظف حكومي) وعلى الرغم من أنه من ذوي الدخل المحدود، مكترثاً بسعر الأسطوانة الجديد الذي فرضته السوق السوداء بقدر ما يُقلقه تأمينها، خاصّة أن مراكز اعتماد بيع الغاز في المحافظات خَلت هي الأخرى من المادة. عبّر لـ«السفير» عن واقع الحال: «لما بشوف ابني بردان مستعد ادفع حق الجرّة 10 آلاف ليرة»، مؤكداً أنه دفع في مقابل أسطوانة واحدة من الغاز أكثر من سبعة آلاف ليرة، حيث نجح في تأمينها عن طريق أحد التجّار.

صاحب أحد المطاعم، في دمشق أكد أن: «تجار الأزمة»، بحسب تعبيره، يستغلّون نقص المادّة وزيادة الطلب عليها من أجل مُضاعفة سعرها أكثر، قائلاً: «صار الغاز تجارة دارجة هالأيام، كل حدا بيبيعها على هواه».

حسن، صاحب أحد مراكز بيع الغاز المعتمدة، أكّد لـ «السفير» أن أزمة الغاز بدأت منذ أكثر من شهر بسبب خفض المُخصّصات، مُشيراً إلى أن الكثير من المعتمدين يُفضّلون بيع حصّتهم إلى تجّار مُعيّنين تجنّباً للكثير من المشكلات. وأضاف: «يصلنا كل أسبوع بحدود الـ50 جرة فقط، وهي غير كافية لسدّ حاجة سكان المنطقة التي يقطنها أكثر من خمسة آلاف شخص.»

لم تتوقّف مشكلة تأمين جرّة الغاز عند هذا الحدّ فحسب، بل أخذت بعداً أكثر قسوة. فعند أماكن التوزيع تجتمع الناس وتتكدّس فوق بعضها البعض ما يؤدي بطبيعة الحال إلى حدوث بعض المشكلات والحوادث. مها (40 عاماً)، كُسرت ساقها أثناء انتظارها للحصول على اسطوانة، وبعدما ظفرت أخيراً بواحدة لم تكتمل فرحتها اليتيمة، حيث سقطت جرة غاز أخرى على ساقها أثناء تنافس مواطنين اثنين عليها. قالت لـ «السفير»: «الناس عم تقاتل بعضها كرمال جرة غاز، وهيدا حقها بدها تطعمي وتدفي أولادها».

تتناقض التصريحات الحكومية حول أزمة الغاز الحالية، فبعض المسؤولين ينفون وجودها أساساً فيما وعد آخرون، منذ منتصف كانون الاول الحالي، المواطنين بأن انفراجاً قريباً في مادة الغاز ينتظرهم.