حين وصل حزب «البعث» إلى السلطة في سوريا، بعيد انقلاب 1963، نشأ صراعٌ داخليّ بين كتلتين اثنتين. الأولى تمثّل القيادة التاريخية للحزب، وتضمّ ميشيل عفلق، ومنيف الرزاز وشبلي العيسمي متحالفين مع ضبّاطٍ عديدين يأتي أمين الحافظ في صدارتهم. أمّا الكتلة الثانية، فكانت مؤلّفةً من ضبّاطٍ صغار نجحوا في قيادةٍ انقلابٍ داخليّ، 23 شباط 1966، أطاح مُنظّري «البعث» الأوائل، وأوصل عسكريين يساريين متشدّدين، أبرزهم صلاح جديد وحافظ الأسد وسليم حاطوم وعبد الكريم الجندي إلى سدّة الحكم. مرّت البلاد، تالياً، بمنعطفاتٍ عديدة كان أبرزها حرب حزيران 1967 والتي أشعلت الخلافات بين جديد والأسد الذي قام، بمشاركة باقةٍ واسعةٍ من الضبّاط «البعثيين»، بما سمّي «الحركة التصحيحية»، 16 تشرين الثاني 1970، وفي محصّلتها، وبعد جملةِ إجراءاتٍ وتتابعات، ثُبّت حافظ الأسد، بتاريخ 21 آذار 1971، رئيساً للجمهورية العربية السورية.

منذ ذلك الوقت، بدأ «البعثُ الحاكم» بعسكرة كلّ شيء. المؤسّسات التموينية، الدوائر الخدميّة، الشعارات على الجدران وحتى لغة الناس في الشوارع، العسكرتاريا مرّت على البلاد كلها.

كان الداخل إلى المدارس الحكومية يشعر أنّه في ثكنةٍ للجيش. اللباس المدرسيّ الرسميّ كان عسكرياً، لا من حيث اللون فقط، بل لجهة التصميم والمكوّنات، فالـ «سيدارة» والنطاق والبسطار والفولار كانت تلازم الطالب السوريّ على امتداد سنوات دراسته كلّها.

للإشارة إلى الصفّ الذي وصلوا إليه، كان الطلّاب يضعون رتباً على أكتافهم. هذا ليس إلّا غيضاً من فيضِ المظاهر العسكرية التي طغت في سوريا. كان اليوم المدرسيّ يبدأ بإيعاذاتٍ تُشعر صاحبها بأنّه في دورةِ نظامٍ مُنضم. «مجموع انتبه»، «استرح»، «استعدّ»، «رتلاً ترادف»، هذه الأوامر وغيرها، كانت تُنفّذ في مزاجٍ من الطاعة العمياء، فتسمع الطلاب يردّدون ملء حناجرهم «أمّة عربية واحدة، ذاتُ رسالةٍ خالدة».

مادة «التربية العسكرية» كانت حاضرةً في المناهج كلّها. السينمائيّ السوريّ الراحل عمر أميرلاي حمل الكاميرا وجال في المدارس وصوّر كلّ شيء. شريطه الوثائقي «طوفان في بلاد البعث» مرّ، قبل آذار 2011، وكأنّ فيلماً لم يعرض. لكنّه أثار ضجّة واسعةً حين شاهده السوريون بعيد الحراك الذي أدّى إلى خلخلة الشمولية بدرجةٍ ما.

منذ وصوله إلى سدّة الحكم، عام 2000، ألغى الرئيس السوري بشّار الأسد نسبةً لا بأس بها من هذه المظاهر، لكنّ فرط عقدِ أيديولوجية مجتمعيّة جرى حقنها في وعي الشعبِ وتكوينه، على امتداد أربعةِ عقود ونيّف، كان يتطلّب شغلاً نوعياً مضافاً.

في المحصّلة، جيلان من السوريين شبّا على تمجيد العسكر الذي حكم البلاد بقانون الطوارئ، فأُجّلت المحاسبة، وتداعى القضاء، وغابت المُساءلة، وتنامى الفساد، وكثرت العوامل التي أدّت، بالشراكة مع باقةِ مسبّبات خارجية، إلى الحريق السوريّ الكبير.

خلال سنوات الحرب، صارت المؤسّسة العسكرية، بالنسبةِ إلى طيفٍ واسعٍ من الشعب السوري، مقدّسةً بكلّ ما تعنيه المفردة من دلالة، فالجيش الذي يقاتل القوى التكفيرية، قدّم شهداء كثرا، ولا زال. رجاله ينتشرون على طول البلاد وعرضها. بعضُ مقاتليه لم يحصلوا على استراحةٍ منذ ستّ سنوات، وغالبيّة عناصره فقراءُ حدّ العدم. بينَ حينٍ وآخر، تنتشر صورٌ لعساكر يأكلون غداءً فقيراً على جبهاتٍ حامية. سريعاً، يلعنُ السوريّون الحكومة التي تُهمل جيشها، وفي اللا وعي، يصير الجنديّ نبيّاً.

في كل البلاد التي تخوضُ حروباً طويلةَ الأمد، يصيرُ للجيشِ علياؤه التي يحوّلها بعضُ أنصار حُكم العسكر إلى هراوةٍ يلوّحون بها في وجه المُطالبين بدولةٍ مدنية. كل الأصوات التي تنادي بضرورةِ استقلال الجيش، وفصله، نسبيّاً، عن السّلطة السياسية، تُجابه بمزاوداتٍ من طراز «المؤسسة العسكريّة قاتلت حتى النّصر، ولا أحد أحقّ منها بالحكم وإدارة السلطة».

وفي المحصّلة، وبعد انتهاء الحرب، سنجد أنفسنا أمام احتمالين اثنين.

الأوّل: عودة حُكم العسكر إلى سابق صلابته وهيمنته.

بعضُ المؤيدين للعسكرتاريا يرون أنّ الديموقراطية، بما تمثّله من انعكاسٍ مثاليّ لمدنية المجتمع، هي شكلُ حكمٍ لا يناسب بلدان العالم الثالث. فحيث يقبضُ الدين، بما يُرخيه من عصبياتٍ وتقسيماتٍ وتحريضٍ وتجهيلٍ، على مفاصل الحياة كلّها، لا يجوزُ أن يُسمح للشعب باختيارِ الحاكمين. لأنّ النتيجة، في هذه الحال، لا يُحدّدها رأيٍ واعٍ، وإنّما ميل جمعيّ نحوَ فئويةٍ لا يُعوّل عليها لا تصون بلداً. وعليه، فإنّ العسكرة، اللاجمة للدين، لازمةٌ إمّا دائماً، وفي أحسن الأحوال، هي لازمةٌ إلى حين تهيئة الشعب للتعامل مع الديموقراطية بما يضمن مصلحة البلاد. عمليّاً وتاريخياً، ليست هناك تجربةٌ واحدة أثبتت أنّ التصوّر السابق حيويّ وقابلٌ للتطبيق. فالانقلابات العسكريّة، كلّها، تنتجُ حكماً لا يرغب بالرحيل، ويرسي دعائمه بالتضييق على المطالبين بمزيدٍ من الحريّات. وبعبارةٍ أبسط، فإنّ العقل الذي اعتاد العمل بقاعدة «نفّذ ثم اعترض» لا يملك طواعية قبول الآخر، ولا يتمتع بمرونةِ الاستماع إلى مفردة «لا».

في ضوء هذا الاحتمال، سيكون للدولة العسكرية السورية، إذا ما عادت، خصومٌ كثر، والحديث هنا عن أصحاب التيار المدنيّ، المؤيدين للحكومة والمعارضين لها، إضافةً إلى نسبةٍ من الشعب صار لديها، خلال السنواتِ الستّ الماضية، حقدٌ على الجيش لموجباتٍ لسنا في معرضِ الخوضِ فيها الآن.

الاحتمال الثاني، وهو الأقربُ إلى مفردات الأرض والتحليل، يقول إنّ الحكومة السورية، الذاهبة نحو انتصارٍ شبه راسخ، ستعيد ترتيب بيتها الداخليّ بما يمنح الليبراليين هامش حركةٍ مُضافاً. ضمن هذا السياق، لا بدّ من التأكيد أنّ قبولَ مؤيدي التيار المدنيّ، على تشعباتهم السياسية، بحرياتٍ محدودة لم يعد وارداً. فهؤلاء قدّموا تضحياتٍ في السلم قبل الحرب، ولا بدّ لهم أن يقطفوا ثمارها وإن بتمرّداتٍ وعصياناتٍ جديدة. قد يواجَه المُطالبون بالتغيير، مجدداً، بالتخوين وبشمّاعة شهداء الجيش، فالأصوات التي تربط الوطنية بالعسكرة تصدح عالياً في مناسباتٍ كهذه، وعليه، فإنّ الجهة الوحيدة القادرة على إرساء المدنية، من دون أن تطالها مفردات العمالة والخيانة، هي الدولة السورية ذاتها.

ربما تنجح الدولة في الاستفادة من الوزن الشعبيّ اللحظيّ للجيش في تعويم حكم العسكر مجدداً، لكنّ الأكيد أنّ تكرار التجربة ذاتها في الظرف ذاته سوف يُعيد إنتاج الكارثة نفسها: مظلومون ومعتقلون ومنفيّون يُشكّلون أرضيةً لـ «ثورة» يجري امتطاؤها فتنتج حرباً أهلية تتدوّل لاحقاً فتنتج حريقاً ثانياً يمرّ على كلّ ما نجا من الحريق الأوّل.

إذا كانت سوريا قد نجت، مرّةً، من طوفان في بلادِ «البعث»، فلا بدّ لها من البحث عن الحلول اللازمة لمنعِ تكرار الطوفان.