عرفت «السفير» حتى قبل أن يصدر العدد الأول منها، على غرار ذلك العربي الذي كان يقول لأبنائه: شاهدتكم، قبل أن تولدوا. فإذا سألوه: كيف؟ يقول: في سُحَن أخوالكم. آنذاك، سمعنا، وكنا طلاباً منغمرين بالسياسة والثقافة، أن جريدة جديدة سيصدرها قريباً طلال سلمان ونفر من رفاقه الناصريين والماركسيين. وكنا نقرأ في تلك الفترة جريدة «النهار»، خصوصاً عمود ميشال أبو جودة، ثم ننفتل إلى النجوم التي كان سمير نصري يمنحها لأفلام الأسبوع، وكذلك جريدة «المحرر» ولا سيما صفحة الحوادث فيها، وأحياناً «الأنوار» الناصرية الهوى. وحين تنامى إلينا أن ناجي العلي وشفيق الحوت ومصطفى الحسيني وبلال الحسن وياسين الحافظ والياس مرقص ربما سيكونون في عداد أسرة «السفير»، علمنا قبل أن نراها ان هذه الجريدة هي جريدتنا.

ومنذ صدور العدد الأول في 26/3/1974 لم تغادر هذه الجريدة أصابعنا وأبصارنا البتة، ورحنا نتردد على مكاتبها في بناية مكي (نزلة السارولا) لنتعرف إلى كثيرين ممن صاروا، لاحقاً، صفوة الصحافيين العرب وألمعهم وأكثرهم حضوراً، من مصطفى الحسيني إلى جوزف سماحة الذي عرفته أولاً في جريدة «الوطن» التابعة للحركة الوطنية اللبنانية، ومن حلمي التوني إلى بهجت عثمان في زياراته المتكررة إلى الجريدة، ومن سعدالله ونوس مؤسس ملحق الثقافة إلى عبد الرحمن منيف، علاوة على الياس خوري وشوقي بزيع وبول شاوول وعباس بيضون.

في «السفير» علمت أن «طه إبراهيم» هو طلال سلمان نفسه، وأن «وائل الحلو» هو اسم مستعار لكل من لا يريد أن يوقِّع مقالته. وعلى هذا المنوال اخترعت لنفسي اسم «صلاح أحمد فاخوري» (ص. أ. ف.). وكثيراً ما ذيلت مقالاتي باسم «شاهين أبو العز»، وهو ترجمة لاسمي، فالشاهين هو الصقر، وأبو العز يماثل أبو فخر. أما مقالتي الأولى في «السفير» فقد نشرت في 1/7/1975، أي منذ واحد وأربعين عاماً، وكانت بعنوان «البرجوازية العربية وترجمة سارتر»، وهي اشتباك ثقافي صاخب مع الدكتور سهيل ادريس صاحب «الآداب» الذي سعدت بصحبته كثيراً في ما بعد. وكنت أكتب بين الحين والآخر مقالات متفرقة، وأتردد على مكاتبها في أوقات متقاربة، إلى أن بدأت العمل فيها جزئياً في سنة 1978 حين عرض عليّ مصطفى الحسيني وروجيه نبعة إعداد ملفات معلوماتية في موضوعات محددة. ومنذ ذلك الوقت أصبحت واحداً من أسرة «السفير» متدرجاً في العمل من دون دوام، إلى العمل بدوام جزئي فإلى العمل بدوام كامل منذ سنة 1992، ثم إلى العمل ليلاً ونهاراً بعدما تسلمت «ملحق فلسطين» في 15/5/2010.

قبل سنة 1982 كانت «السفير» مقهانا ومطعمنا في كافتيريا الطبقة التاسعة، وغرفة استراحتنا، والنادي الثقافي الليلي. وبعد 1982 صارت مأوانا وحزبنا ومنبرنا. ولا ريب أن «السفير» كانت في مرحلة الزهو الثوري أكبر من أي حزب يساري أو قومي في لبنان. وهي، بهذا المعنى، أحد تجسدات التيار القومي التقدمي العلماني حين انبثقت، كنجم الصحارى، في سياق الظهور التاريخي لهذا التيار غداة التحول من القومية إلى الماركسية بعد هزيمة 1967.

وفي هذا الميدان، حملت «السفير» على صفحاتها، منذ البداية، راية التحرر الوطني وفلسطين والعدالة الاجتماعية والديموقراطية ونقد الهزيمة والتفتيش عن مخرج من أحوالنا وأهوالنا، وكانت المنبر الأبهى الذي عبّر عن تلك التحولات اللاهبة بعد هزيمة 1967، ثم بعد نصف انتصار حرب 1973. ومن العجيب ان «السفير» تمكنت من أن تستمر حتى بعدما تخلعت أبواب هذا التيار وتهتكت جدرانه غداة صعود تيار الإسلام السياسي منذ عام 1979 فصاعداً، الذي من تحت عباءته خرجت جميع كائنات الكهوف وضباع الصحارى الأفغانية والعربية. هوى التيار القومي التقدمي العلماني في سنة 1982، ولفظ أنفاسه في سنة 1990 مع الدخول العراقي إلى الكويت، فليس من المستغرب، والحال هذه، أن «تنعس» جريدة «السفير» أحياناً، فنعاسها كان تأهباً لمنازلة النهايات.

صارعت «السفير» أقــدارها بصلابة، ونازعت الفساد والقمع والاضطهاد، وخاصمت التطرف والتكفير، وناوأت الغرام العربي المستحدث بإسرائيل، ونافحت عن حرية الرأي في ممالك الصمت والموت، وحاولت ألا تمسّها نيران الحريق العربي، وصمدت إلى أن الجأتها الرياح السود إلى النوم.

لبنان يتحلل في هذه الأيام كما تتحلل أسماك المتوسط. وكل جميل في هذا البلد يموت ويذوي كالصحافة والثقافة والفن والمؤسسات العلمية ومراكز البحوث، ولا يبقى، للأسف، غير مبيضي الأموال وناهبي الثروة وتجار المخدرات وسماسرة السياسة. وفي هذا العماء لا مكان لـ «السفير» بالطبع، وجميع الأمكنة صارت مرصودة لسفراء القهر والموت.

«السفير» قطعة من جسدنا، وكانت دائماً حارسة الأمل فينا، ومكان اعتصامنا ولقائنا وكعبتنا وشمعتنا. هي كأس الشاي في الليالي المسهدة، ورائحة الأحبار المنعشة، وصرير الأقلام على الأوراق السمر. هي أخبار فلسطين ودمع المكلومين وشراعنا المبحر ومنارتنا المتوهجة. واليوم لا أقول وداعاً بل أتذكر. وأكثر ما أخشاه أن تصبح «السفير» مزارنا وقلمنا المكسور وشراعنا الممزق وقصبتنا المجروحة، ونصبح نحن مثل خيمة في الريح بعدما همدت جذوة الروح وصارت النار عسيساً.