تشكّل السلفية الجهادية راهناً نموذجاً لحركة «قياموية»، تستلهم كل ما ورد من روايات الملاحم والفتن وعلامات الساعة وتستخدمه سلاحاً تعبوياً ونفسياً في صراعها مع الآخر. تحاول هذه المقالة أن تجيب على السؤال التالي: كيف ينظر منظّرو السلفية الجهادية البارزون إلى النبوءة، وكيف يوظفونها في حروبهم؟

جهيمان العتيبي:

التمرد بوحي من أخبار آخر الزمان

في الأول من محرم 1400 (20 تشرين الثاني 1979)، ومن وحي الحديث النبوي الذي يقول: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»، وبالاعتماد على الرؤى والأحلام بأن نسيبه محمد عبد الله القحطاني هو المهدي المنتظر، ثار جهيمان العتيبي وأصحابه معلنين خروج المهدي في الحرم المكي، فدخلوه وهم يحملون نعوشاً مليئة بالسلاح. بعد أسبوعين تمكنت القوات السعودية من إخراج المهاجمين مستعينة بقوات فرنسية خاصة بقيادة الكابتن بول باريل، أدّت الى شل آخر فلول الجماعة وذلك في 4 كانون الأول 1979. فقُتل القحطاني، أما جهيمان وأصحابه الناجون فقد نُفذ بهم حكم الإعدام في 9 كانون الثاني 1980. وفي الشهر نفسه الذي حسمت فيه القوات السعودية تمرد جهيمان، اجتاحت القوات السوفياتية افغانستان بين 24 و27 كانون الثاني من سنة 1979. في كتابه المعنون «حصار مكة، الانتفاضة المنسية في أقدس الأماكن الإسلامية وولادة القاعدة» يستنتج الكاتب الروسي ياروسلاف تروفيمو أن الطريقة التي اتبعتها السلطات السعودية لضرب «الحركة الجهيمانية» هي التي أدّت في نهاية المطاف إلى ظهور تنظيم «القاعدة». وشكلت الحرب في وجه «الشيوعية» صَرْفًا لِنَظَرِ السلفيةِ الجهاديةِ الصاعدةِ عن محاربةَ الحكوماتِ الخليجيةِ وخاصة السعودية منها. ألهمت حركة جهيمان وكتاباته منظري السلفية وعلى رأسهم الشيخ أبي محمد المقدسي، حتى أنه اقتبس منه عنوان أبرز كتبه «ملة إبراهيم»، والمقدسي بدوره كان من ملهمي الزرقاوي في أول انطلاقته.

بعد مرور 17 سنة على القضاء على حركة جهيمان، اعتمد الجهادي السلفي اليمني (أبو الحسن زين العابدين المحضا) على الحديث المنسوب إلى الرسول «يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفاً ينصرون الله ورسوله هم خير من بيني وبينهم». فقام العام 1997 بتأسيس «جيش عدن - أبين» الذي ضم أكثر من مئتي شاب، تم تدريبهم على مختلف أنواع الأسلحة في منطقة المراقشة بين محافظتي شبوه وأبين، وكانت أولى عملياتهم خطف 16 سائحاً اجنبياً لمقايضتهم مع جهاديين في السجون اليمنية، لكن الحكومة رفضت طلبهم وشنت عليهم هجوماً أدى إلى مقتل 4 من السياح وتخليص الباقين واعتقال المحضار ومن معه ليعدم العام 1999. حزن أسامة بن لادن لمقتل المحضار وأشاد بجهاده، وبعد سنة انتقمت «القاعدة» للمحضار بعملية تفجير المدمرة الاميركية «كول» قبالة سواحل عدن.

أبو مصعب السوري:

الأفغان العرب رؤاهم شيطانية

تُظهر مقالة «عبقري» تنظيم «القاعدة» التي كتبها أثناء إقامته في أفغانستان تحت عنوان «رؤى وأحلام أم تمنيات وتخيلات وأوهام؟!» مدى تفشّي تأويل الأحلام وتطبيقها على الواقع الذي كان يعيشه «الأفغان العرب»، وهو يفتتح مقالته هذه بعبارة مكثفة إذّ يقول: «وباعتبار أن الأمة تعيش الأيام السود، فلا غرابة أن تكون كل الرؤى بانتظار الرايات السود!». ثم ينتقل إلى تحذير «المجاهدين» من هذه الظاهرة ومن «كثرة المؤولين ـ الهواةـ وسعيهم إلى ربط الرؤى بما يجري في الواقع، والقفز إلى التخطيط للمستقبل على أساسها». يستشهد السوري بحديث للرسول: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً...». ويؤكد على أن الرسول والصحابة والسلف اهتمّوا بتأويل الرؤى. إلا أنه يستغرب هوس «المجاهدين العرب» بكتابَي النابلسي وابن سيرين وإهمالهم للكتب الأخرى في شتى العلوم. يعترض على تصدي المؤولين «غير المأذونين»، فيصفهم «بالعابثين بالوحي» كما سبق ووصف الإمام مالك بعض من تأوّل من غير علمٍ وأهلية. وعنهم يقول أبو مصعب: «تارة يحلمون (بسياف) كخليفة قادم! يدخل المسجد الأقصى على رأس المجاهدين والرايات السود! وتارة أخرى تتوزع مناماتهم على باقي قادة الجهاد الأفغاني كلاً بحسب «فتى أحلامه»، فهذا يطير بلا محركات! وثانٍ يقدم على حصان أبلق بثوب أخضر! وثالث يضع في جيبه الشيكات فيتسع لكل ما وضع فيه رغم صغر الجيب. إلى آخر قصص العرض المتواصل ليلياً!» وأحلامهم لا ترمي فقط إلى تحقيق الآمال الجهادية، بل تتعداها الى تحقيق الأمنيات الفردية. «تتعلق رؤى بعض العزاب بزواج قريب، وبعض المتأهلين في تعدد الزوجات، أو بصرّة مال تسقط من فتحة المدفأة، كلّ بحسب حديث نفسه وآماله الصعبة التحقق نهاراً ويقظة، فيحقّقها عبر فيلم ممتع دون تكلف ثمن التذكرة». وبحسب السوري تتبدل المنامات وفقا للسياق ولأحوال الشدة أو الفرج التي يعيشها المجاهدون «فمع التهديدات الأميركية؛ تكثر الرؤى عن النوازل والضيق والحصار، ومع المواقف الطيبة لبعض المجاهدين ورؤوسهم؛ ترتفع معنويات المنامات». أكثر ما يثير ضحك السوري هو ظاهرة الرؤى المستورَدة من شبه الجزيرة العربية حيث ترتفع نسبتها هناك لكثرة البطالة، والكفر الحكومي والظلم والقهر في السجون». يصنّفها في خانة أحاديث النفس والرغبات والرؤى الشيطانية. ويبدي قلقه الشديد لأن بعض «كبار العاقلين» بدأ يرسم خططه وفقاً لتلك المنامات، أو يعمد إلى «اسقاط الرؤى المتعلقة بأحداث وأشخاص الملاحم والفتن على بعض الناس ـ مثل المهدي وغيره ـ بحيث تتداول الآن روايات عن احتمال أكثر من مهدي في أكثر من مكان».

يختم السوري مقالته «رؤى وأحلام أم تمنيات وتخيلات وأوهام؟!» مستنتجاً أنّ «اغتيال رؤوس الكفر وقطع دابرهم يكون بالعمل لا بالأحلام، فاستخراج الأسرى من سجون الأميركان والإنكليز وكفار حكام العرب والعجم، هو من كرامات العاملين، وليس من أحلام النائمين».

النبوءات والتخطيط للمستقبل:

وسائل لصناعة القوة

يستخدم السوري علامات الساعة التي تزخر بها كتبه وخاصة «المسلمون في وسط آسيا ومعركة الاسلام المقبلة»، و «مسؤولية أهل اليمن تجاه مقدسات المسلمين وثرواتهم». وذلك بهدف شحذ الهمم وإعطاء العمل الجهادي دفعة غيبية مستقبلية. يتباهى السوري باستشرافه لمستقبل الحركة الاسلامية في الجزائر ولانقلاب السلطة على فوز الاسلاميين في الانتخابات البرلمانية الشهيرة، ويقول: «توقعت طرفاً كبيراً مما سيجري، وسجلت ذلك في محاضرة في مضافة الجزائريين في بيشاور قُبيل الانقلاب العسكري بقليل، أواخر 1989. وفعلاً حصل معظم المتوقع». (أبو مصعب السوري، خلاصة شهادتي على الصراع المقدس في الجزائر، 1988_1996، ص 24).

ما حذّر منه السوري من ولادة مخططين جدد للمستقبل يعملون من وحي رؤى شيطانية ويطبقونها على أرض الواقع وفي ميادين القتال، حصل في العراق مع ظهور الزرقاوي الذي قال في إحدى خطبه العام 2004: «ها هي الشرارة قد انقدحت في العراق وسيتعاظم أوارها حتى تحرق جيوش الصليب في دابق». لكن دابق ومعها النبوءة سقطتا في تشرين الأول الماضي على أيدي «الجيش الحر» مدعوماً من تركيا. هناك نبوءات أخرى جرت بعكس ما يشتهي منظرو وعلماء السلفية، منها نبوءة مقبل بن هادي الوادعي (1937 – 2001). الوادعي هذا المتحوّل من الزيدية ومؤسس السلفية في اليمن ودار الحديث الشهير في دماج في صعدة، يتنبأ بانقراض الزيدية ثمّ الصوفية في اليمن (المخرج من الفتنة، ص 18)، لكن ما حصل هو عكس ذلك، إذ تم طرد السلفيين العام 2014 من دماج وأغلق دار الحديث نهائياً، وسيطر الحوثيون على صنعاء، وكذب الواقع كل تلك النبوءات/ الأوهام.

منظّر آخر هو أبو قتادة الفلسطيني يرى إلى النبوءة من منظور ذرائعي، لكنه يربطها بمفهوم السنن الإلهية وبسيرة الرسول الذي قال في معركة بدر: «إنّي أرى مصارع القوم». بحسب الفلسطيني أن النبي استخدم النبوءة بهدف تقوية القلوب. لذلك يحّرم الفلسطيني التشكيك في النبوءة ولكن شريطة عدم استخدامها في غير مكانها، «كأن تُقرأ قراءة للواقع على غير وجهها وأعظم شر في قراءة النبوءات هو المشي من أجل تحقيقها فيظن المرء أنها تلائمه، ويبدأ بتطبيق ما جاء فيها على نفسه، كما يُقال هذه الأيام عن أن الشام هي أرض المحشر، وفي الحديث أنها حيث تقع الفتن... من الخطأ أن تقرأ النبوءة من أجل أن تعمل بها ومن الصواب أن تقرأ الواقع والشرع لكي تعمل بهما وقد تصيبك أو لا تصيبك، وقد تكون أنت وقد لا تكون (أبو قتادة الفلسطيني، مناقشة كتاب قدر الدعوة للشيخ رفاعي سرور، تسجيل مرئي، أيار 2016).

النبوءة والتخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل كلها تتضافر لدى تنظيم «القاعدة» وأخواته بشكل متقارب وذلك بهدف تحقيق الغاية النهائية ألا وهي إقامة «دولة الخلافة». فقد كثر الحديث في السنوات الماضية عن الخطة الاستراتيجية لتنظيم «القاعدة» للعقدين من 2000 إلى 2020 (راجع مقالة رضوان مرتضى «خطة الـ20 عاماً «القاعدة» من 11 أيلول إلى «الانتصار النهائي»، الأخبار عدد 2209).

في كتابه «الزرقاوي الجيل الثاني للقاعدة» المعتمد على مقابلات مع منظري «القاعدة»، يستعرض الصحافي الأردني فؤاد حسين سبع مراحل زمنية لخطة القاعدة: «مرحلة الإفاقة» (من 2000 إلى 2003)، وهي بدأت مع هجوم 11 أيلول وانتهت مع احتلال العراق. ثم مرحلة «فتح العيون» (من 2004 إلى 2006) ويمكن تلخيصها باستنزاف العدو والإعداد للجهاد الالكتروني والبناء الهادئ لجيش جهادي على أرض العراق. فمرحلة «الوقوف على القدمين» (من2007 إلى 2010) ويتم خلالها التركيز على سوريا التي ذُكرت في الروايات على أنّها الهدف الثاني بعد العراق. أما المرحلة الرابعة المسماة بـ «استعادة العافية» (من 2010 إلى 2013) يتم التركيز خلالها على إسقاط الأنظمة العربية في عيون الشعوب كمقدمة لأسقاطها نهائيا وإحراق النفط وصولاً إلى استنزاف أميركا اقتصادياً. المرحلة الخامسة مرحلة «إعلان الخلافة» (من 2013 إلى 2016)، حيث تستفيد «القاعدة» من ضعف الولايات المتحدة وتعاظم قوة الصين والهند اللتين ليس للمسلمين تناقضات قوية معهما، لتبدأ العام 2016 مرحلة «المواجهة الشاملة»، ما بين فسطاطَي الإيمان والكفر التي ستندلع بعد إعلان الخلافة الإسلامية. ومع حلول العام 2020 تكون الخطة الاستراتيجية قد وصلت إلى هدفها النهائي المتمثل بوضع مقدرات بلاد وشعوب العالم الاسلامي الذي يعد مليارا ونصف مليار مسلم في خدمة دولة الخلافة بزعامة «القاعدة».

يعتقد بعض الباحثين في الجماعات السلفية أن المقارنة بين هذه الخطة وبين ما تحقق منها يشير إلى تطابق. هذا الأمر يمكن قوله عن المراحل الأربع الأولى، أما المرحلة الحالية فقد أظهرت عكس ما خططت له «القاعدة» وذلك لأسباب عدة: الأول يتمثّل في مقاومة الجيوش والشعوب العربية للسلفية الجهادية. الثاني هو انشقاق «داعش» عن «القاعدة»، فأحرقت استراتيجيتها وكتّلت العالم أجمع على قتالها وعلى رأسها روسيا التي كانت القاعدة قد طوت حسابها ولم تذكرها بتاتاً في خطتها. أما الثالث فيرجع إلى اصطفاف الصين إلى جانب روسيا بسبب استشعارها بالخطر المتأتي من تركستان الشرقية وآسيا الوسطى. أخيراً يمكن القول إنَّ الخطر الأكبر يكمن من جهة في لجوء السلفية الجهادية وقابليتها للتوالد بشكل خلاصي بعد كل هزيمة، ومن جهة أخرى في استجابة بعض الغرب (الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن) لشهوة «القاعدة» وباقي الجماعات السلفية بتقسيم العالم إلى فسطاطَين، فهل سيضطلع دونالد ترامب بهذه المهمة مستقبلاً؟