تنتهي اليوم المسيرة الحافلة لصحيفة «السفير»، ولهذه النهاية جملة من الأسباب الخاصة، المتعلقة بمؤسسة «السفير» نفسها، والأسباب العامة، المتعلقة بالنظام السياسي والاقتصادي العربي والتغييرات الكبرى في مجال الصحافة والإعلام وتقنيات الاتصالات، ولا حاجة هنا للتذكير بعدد المؤسسات الإعلامية العريقة التي واجهت خلال السنوات الماضية خيارات الإغلاق أو الخضوع لتغييرات جذرية للتأقلم مع الوقائع الجديدة. ولكن لو قدر لصحيفة «السفير» أن تستمر لعقد أو عقدين آخرين، لواجهت غالباً حزمةً مختلفةً من التحديات التي تعكس التطورات المتسارعة في مجالي الاقتصاد والتكنولوجيا. والمجالان مرتبطان بطبيعة الحال.

عند دراسة مسار التغييرات العميقة التي مرت بالاقتصاد العالمي خلال القرون الماضية، تظهر بوضوح علاقة الترابط بين الاختراقات المعرفية التقنية وتطور مسار الصناعة التي غيرت من طبيعة النظام الاقتصادي، عبر تغيير طبيعة الإنتاج والعلاقة بين عناصر العملية الإنتاجية. فالانتقال من النظام الإقطاعي الزراعي إلى النظام الرأسمالي الصناعي كان النتيجة المباشرة للثورة الصناعية التي كانت نتيجة استخدام طاقة البخار ومعدات الإنتاج الميكانيكية في الصناعة في العام 1784. لم يكن هذا هو الخرق التقني الهائل الأخير بكل تأكيد. التمكن من استخدام الكهرباء في الصناعة، منذ العام 1870، والانتقال إلى الإنتاج على نطاق واسع Mass Production مثل بداية الثورة الصناعية الثانية. ثورة تكنولوجيا المعلومات والإلكترونيات، منذ العام 1969، سمحت بأتمتة الإنتاج فكانت تلك بداية الثورة الصناعية الثالثة.

ثورة صناعية رابعة

خلال السنوات الماضية، وبشكلٍ خاص هذا العام، دار الحديث عن «ثورة صناعية رابعة» ستقود إلى التغيير الأكبر في علاقات الإنتاج وفي طبيعة النظام الاقتصادي. التطورات المتسارعة في مجالات تقنيات «النانو»، والمركبات الذاتية القيادة، والطباعة الثلاثية الأبعاد، والحوسبة الكمومية، والذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) ستقود إلى تغييرات جذرية في دور الإنسان في الإنتاج وفي طبيعة العلاقة بين مالكي رأس المال وبين العاملين لديهم وستغير شكل العالم خلال العقود المقبلة. ولكن، كما كان الحال مع الثورة الصناعية الأولى، لا يقود التطور بالضرورة إلى وضع إنسانيٍّ أفضل.

لنأخذ مثالاً من المشرق العربي. في مطلع القرن الماضي كانت الصناعة اليدوية في مدينة حلب السورية، وهي أحد أشهر المراكز الصناعية العربية، مصدر دخل مهم لشريحةٍ كبيرةٍ من أبناء المدينة. ولعل أشهر تلك الصناعات هي صناعة النسيج؛ تتفاوت التقديرات حول عدد أنوال النسيج اليدوية، خصوصاً أن نسبةً كبيرةً من تلك الأنوال كانت موجودةً في منازل الحلبيين، ولكن رقماً في حدود 15000 نول يدوي، في عشرينيات القرن الماضي، هو الأكثر تداولاً. وفرت حرفة النسيج اليدوي حياةً مستقرةً نوعاً ما لشريحة كبيرة من أهل المدينة ذات المئتي ألف نسمة، في ذلك الحين. ولكن مصدر رزق هؤلاء تعرض لهزتين كبيرتين. الأولى مع دخول النسيج المستورد الرخيص الثمن، لكونه مصنعاً آلياً، والثانية مع بدء إنشاء مصانع النسيج في مدينة حلب نفسها في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، بعد توفر الكهرباء على نطاق واسع. كانت النتيجة المباشرة هي انتقال كثير من العاملين المستقلين للعمل لدى أصحاب رؤوس الأموال الذين تمكنوا من استيراد أنوال النسيج الكهربائية. لم يكن التغيير في كمية وسرعة الإنتاج بل كذلك في طبيعة العلاقة بين الطرفين: أصحاب رؤوس الأموال والآلات والعاملين ولا حاجة للشرح بأن الطرف الثاني بات يعيش بشكل متزايد تحت رحمة الطرف الأول الذي تضاعفت ثروته بشكل متسارع.

ستقود الثورة الصناعية الرابعة إلى تغييرات غير مسبوقة. بحسب دراسة لجامعة «أكسفورد» في العام 2013، ستحل الحواسيب والروبوتات محل البشر في 47 في المئة من الوظائف بحلول العام 2034. هناك الكثير من التكهن حول المهن التي سيخسرها البشر لمصلحة الآلات الذكية. منذ شهرين، سلطت مجلة Wired الأميركية، المختصة بمتابعة التطورات التقنية وتأثيراتها على الثقافة والمجتمع، الضوء على هذا الموضوع في مقابلة جمعت فيها الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ومدير مخبر الوسائط المتعددة في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، جوي إيتو. يعتقد أوباما أن المهن التي سيستبدل البشر فيها بالذكاء الاصطناعي هي تلك التي يسهل برمجة الآلات على القيام بها، أي المهن التي لا تحتاج للكثير من المهارات، مثل الأعمال التي تعتمد على القوة الجسدية، بينما يرجح جوي إيتو أن تحل الآلات محل المهن الأكثر تعقيداً، ليس فقط بسبب إمكانية برمجة الآلات على عمليات غاية بالتعقيد وتخزين كميات هائلة من البيانات، بل كذلك لأن هذا الاستبدال ذو جدوى اقتصادية أعلى. وبالتالي فإنه من المنطقي أن تحل الآلات والذكاء الاصطناعي محل المحامي والمحاسب، وربما الطبيب، أكثر منها محل عامل التنظيفات والممرض.

الإنسان في مواجهة الروبوت

إذا صدق توقع أوباما، فهذا يعني أن البشر الذين لا يملكون تأهيلاً دراسياً عالياً أو خبرات مميزة سيجدون منافسةً كبرى ولن يكون بإمكانهم أن يحصلوا على أجور جيدة بينما سيكون أصحاب المؤهلات العالية بأمان؛ وبالمحصلة سيكون لدينا ثلاث طبقات رئيسية في المجتمع: العمال المتنافسون مع الآلات، أصحاب المؤهلات والخبرات العالية، وأصحاب رؤوس الأموال الذين يمتلكون الآلات ويوظفون الجميع. أما لو صدق توقع جوي إيتو، فإن أصحاب المؤهلات العالية مثل المحامين والأطباء والمهندسين سيتنافسون مع الآلات ـ ما داموا يقومون بأعمال تعتمد على التكرار واستخدام معارف معينة مخزنة ـ وبالنتيجة سيكون لدينا طبقتان رئيسيتان: العاملون الذين لا توجد جدوى اقتصادية من استبدالهم بالآلات، والذين يتلقون أجوراً قليلةً للغاية، وأصحاب رؤوس الأموال الذين يمتلكون الآلات. يميل الباحثون إلى تبني تصور أقرب لتصور جوي إيتو؛ فالبروفيسور الشهير ستيفين هوكينغ، مثلاً، يحذر من أن العالم سيشهد المزيد من غياب العدالة الاقتصادية وأن ثراء وجشع أصحاب رؤوس الأموال، مالكي الآلات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، سيزداد بشكل كبير، كما حصل مع الثورة الصناعية الأولى.

في المجتمعات الغربية بدأت المشكلة تطفو إلى السطح فعلاً. فبينما تعهد دونالد ترامب بأنه سيخلق المزيد من الوظائف ويجبر الشركات الأميركية على نقل معاملها من الصين إلى الولايات المتحدة لخلق المزيد من فرص العمل، يجمع المراقبون على أنه حتى لو حصلت هذه الخطوة شبه المستحيلة فلن تقود لخلق وظائف جديدة، وذلك ببساطة لأن ساعة عمل الروبوت تكلف بالمتوسط 8 دولارات بينما يبلغ متوسط أجر العامل في صناعة الصلب مثلاً حوالي 24 دولاراً. المفارقة الأهم التي غفل عنها ترامب هي أن المصانع في الصين، وجنوب شرق آسيا عموماً، التي تزود العالم بالقسم الأكبر من المنتجات، بدأت تسرح البشر وتستبدلهم بالآلات المؤتمتة بالكامل. فعلى سبيل المثال، قامت شركة Foxconn، أحد أكبر منتجي مكونات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، بما فيها منتجات شركة Apple، هذا العام باستبدال 60000 من أصل 110000 عاملاً لديهم في الصين بالروبوتات. وهذه الشركة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد. استخدام الروبوتات يعني تخفيض كلفة الإنتاج بشكل أكبر بكثير، وإن كانت المنتجات الصينية والآسيوية، التي غزت العالم، أحد أسباب تراجع الإنتاج الصناعي في منطقة الشرق الأوسط، فإن وتيرة هذا التراجع ستزداد في المستقبل القريب، وقد يجد أصحاب رؤوس الأموال في المنطقة أنفسهم مجبرين على أن يحذوا حذو منافسيهم الآسيويين.

أزمة في الصحافة والتعليم

نضرب الأمثلة بالمصانع باعتبارها المثال الأوضح والأسهل على الفهم ولكن المنافسة في كل مكان. ففي نهاية نيسان الماضي أجرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية الشهيرة اختباراً فريداً إذ كلفت أحد أفضل محررات الأخبار لديها، ساره أوكونور، بالتنافس مع حاسوب يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنجاز تحليل إخباري من 400 كلمة خلال 30 دقيقة. كان التقييم النهائي بأن ما أنجزته أوكونور كان «أكثر أناقة» فيما احتوى التقرير الذي أنجزه الحاسوب على بيانات وأرقام أكثر. ولكن ما الذي سيحصل بعد خمس أو عشر سنوات مثلاً؟ هل ستحل الحواسيب محل محرري الأخبار؟ هل هناك مهن ستنجو تماماً من المنافسة؟

الحلول التي تناقش في الغرب تركز على فكرتين اثنتين. الفكرة الأولى هي اللجوء لمنح ما يُعرف بالدخل الأساسي الشامل (Universal Basic Income)، وهو أجر تمنحه الدولة لجميع المواطنين، بشكل دائم، ومن دون شروط، لضمان معيشي معين. ومنذ بضعة أيام أعلنت فنلندا أنها ستبدأ تجربة منح هذا الدخل الأساسي لشريحة من المواطنين وبذلك تكون أول دولة بالعالم تتبنى هذا الإجراء، والذي قد يدخل التطبيق قريباً، ولو على سبيل التجربة، في كندا والولايات المتحدة أيضاً. تدعم هذه الخطوة التصور القاتم الذي وصفه جوي إيتو وستيفن هوكينغ: سيكون هناك طبقتان رئيسيتان في المجتمع: طبقة دنيا وطبقة عليا، وبالكاد سيبقى هناك طبقة وسطى. أما الفكرة الثانية فهي تغيير توجهات وطريقة تفكير المؤسسات التعليمية والتأهيلية، بحيث يكون التركيز على تطوير المهارات الاجتماعية والإبداعية لدى الأفراد بحيث يستطيعون المنافسة مع الحواسيب والآلات. فبرغم أن الحواسيب والذكاء الاصطناعي والروبوتات ستنافس البشر في كثير من الأعمال خلال العقود المقبلة، إلا أن المشترك بين تلك الأعمال هو أنها تعتمد، بالدرجة الأولى، على إتقان تكرار عمليات معينة وتحليل كميات هائلة من البيانات، بينما لا يزال من غير الممكن أن توكل إليها مهام التدريس والتدريب مثلاً، أو التفكير الإبداعي وحل المشاكل.

ستتأثر المنطقة العربية بهذه التطورات في وقتٍ غير بعيد بكل تأكيد. ولكي لا نصل متأخرين مرةً أخرى، لا بد من تغيير توجهات النظام التعليمي، وتشجيع «التعلم» على حساب «التعليم» والتلقين، وإلغاء القيود على الاتصالات والوصول إلى مصادر المعلومات، وتشجيع التفكير الحر والإبداعي. سيقول قائل إن هذه التغييرات لا يمكن أن تمر من دون تغييراتٍ سياسية عميقة، وأقول: لم يعد هناك بد من التغيير.