يَفصل اللبنانيون بحرفية ساذجة بين الفساد والفاسدين. الفساد في حساباتهم هو المسؤول عن خراب البلد وانحلال الدولة وبؤس الحياة وشقاء المصير، أما المفسدون المرتكبون لهذا الفساد، والذين بغالبيتهم ممن يحملون ألقاب القادة والزعماء والمسؤولين، فهم في وجدان معظم الجمهور اللبناني من جنس الآلهة الذين أوكل إليهم صناعة القدر والوطن. هذا التناقض المبني على التعمية والانفصام، هو نظرية لبنانية «فريدة» تقوم على القطع بين الفاعل وفعله، بحيث يبقى الفاعل في أعلى درجات السمو مهما بلغت الأفعال الصادرة عنه أدنى درجات الانحطاط.

ثمة في لبنان زعماء يستأهلون كل احترام وتقدير وولاء. وثمة منهم مفسدون في الأرض يستحقون المحاكمة والعقاب. الأخيرون لن يقوى عليهم أحد من الداخل اللبناني. لا شيء في لبنان يعول عليه للحد من الفساد. العهد الجديد يحمل الكثير من النوايا الحسنة والإرادة الصادقة، لكنه لن يفلح في مواجهة الفساد ما دام الفاسدون شركاء في السلطة والقرار. يضاف، إن القضاء بغالبيته فاسد وتحت أمرة المتنفذين؛ فيما مؤسسات الرقابة والمحاسبة معطلة، وإن تحركت فعلى أهواء السياسيين. أيضا لا قانون انتخابيا يؤمل منه إعادة بناء الدولة ما دام سيفضي إلى إعادة إنتاج السابقين. وفوق ذلك، لا شيء في الدولة لم ينخره الفساد، وفي ذمة كل لبناني ما يقارب 25 الف دولار بسبب 100 مليار من الديون، التي ملأت جيوب المسؤولين والحواشي.

إذا ما الحل في ظل انعدام الفرص أمام الحلول الداخلية لأزمة الفساد؟ ثمة مجموعة من الناشطين اللبنانيين، بصدد العمل على نقل ملف الفساد إلى محافل القضاء الدولي - في دول عريقة قانونيا ولديها تجارب سابقة في تبني ملفات مماثلة - بهدف إلغاء الديون التي تكبل اللبنانيين، باعتبارها ديونا كريهة وغير شرعية، حيث لم تنفق في مواردها الصحيحة، والذين استدانوها لم يكونوا أهلا لذلك. فقد جاء في تعريف الديون الكريهة بأنها «الأموال المقترضة التي تنفق على نحو يتعارض ومصالح السكان، مع معرفة الدائنين بالنيات السيئة للمقترضين». أما الديون غير الشرعية، فهي « تلك التي لا يتم صرفها وفق المسطرة المنصوص عليها في دستور البلد المستدين، والتي لا يتم إنفاقها على أساس المعايير والإجراءات القانونية المتبعة في البلد المقترض.. حيث يجب أن يتشارك الدائنون والمدينون مسؤولية التأكد من أن إنفاق القروض يحترم الإجراءات القانونية، حتى لا يطعن فيها أمام القانون». فهل هنالك شك لدى أحد من اللبنانيين بأن كلتا الحالتين تنطبقان على الوضع في لبنان بالكامل؟!

بالتوازي مع ما تقدم، ثمة توجه لدى المجموعة آنفة الذكر لتشكيل محكمة ضمير دولية لمحاكمة عينات مختلفة من المسؤولين عن الفساد والمتورطين فيه. المحكمة هذه لن تكون صاحبة سلطة فعلية في محاسبة المرتكبين، لكنها على الأقل ستكون قادرة على كشف بعض الحقائق ووضعها بين يدي اللبنانيين، حتى لو لم ينتج عنها احكام قضائية ناجزة.

ملاحظة: المؤمل أن يلقى هذا المقال تأييدا، خاصة من الذين ينبذون الفساد لكنهم صامتون عنه.

الخاتمة: فقط في لبنان، لا للفساد ونعم للمفسدين..!