بدأ عام 2016 بقرار مجلس الأمن رقم 2268 الذي نصّ على وقفٍ شاملٍ للأعمال القتالية في سوريا، وانتهى هذا العام بالتوافق الروسي ـ التركي على وقفٍ شاملٍ آخر لإطلاق النار. لقي هذا التوافق قبول أغلب فصائل المعارضة المسلّحة والسلطة السوريّة معاً. وكان قرار مجلس الأمن قد تأسّس على بيان «الفريق الدولي لدعم سوريّا» الذي ضمّ لأوّل مرّة جميع الدول المتصارعة في سوريا، وضمنها إيران وتركيا، ومنه انبثق بيان مشترك روسيّ -أميركيّ فرض هدنة بين المتقاتلين. أمّا التوافق الأخير فقد نتج عن اتفاقٍ جرى بين ثلاث قوى فقط، روسيا وتركيا وإيران.

في الواقع، لم يدم وقف إطلاق النار الذي قرّرته الأمم المتحدة طويلاً وانفرط كليّاً في شهر تموز. وجاء وقفٌ آخر للنار في أيلول بين الولايات المتحدة وروسيا لم يدم سوى خمسة آيام وليس واضحاً حتى الآن لماذا انهار. فكم سيدوم اتفاق وقف إطلاق النار الروسي - التركي الأخير الذي انطلق ليلة 29-30 كانون الأول؟

واضحٌ أنّ الزمن العسكريّ هو الذي يفرض نفسه على الصراع السوريّ انطلاقاً من لعبة الأمم التي تقود مآلاته. حربٌ ثمّ هدنة، ثمّ إعادة الكرّة. وقف إطلاق النار الأوّل أسّس لتحرير تدمر. والثاني لمعركة حلب واستبدال الطيران الأميركي بالروسيّ لدعم الجيش التركي في المعارك ضد «داعش». فما الذي يؤسّس له وقف إطلاق النار الثالث الأخير؟ هل للمعركة الحاسمة ضدّ «داعش» في الرقّة التي ستشارك فيها أطراف كانت تتصارع في ما بينها، خاصّة مع ما نشهده مقارنةً في ظروف تعثّر معركة الموصل في العراق؟ أم لأمرٍ آخر؟

شهدت المعارضة المسلّحة، منذ هزيمتها في حلب، أيّاماً صعبة في منطقة إدلب الواسعة. ووقف إطلاق النار الأخير هو فرصة لها لالتقاط الأنفس، بل لعودة الثقة بالنفس بعد حلب، ومراجعة الخيارات. تنظيم «فتح الشام» («النصرة» سابقاً) يعيش بين جنباتها، فيما من المفترض أنّ مشروعه ومشروعها مختلفان. ولن تستطيع المعارضة المسلّحة في نهاية المطاف الذهاب إلى الأستانة والتفاوض على مشروعها إلا إذا ظهر التناقض حاسماً بين التوجّهين. تماماً بالطريقة ذاتها التي تعرف فيها السلطة في سوريا أنّ وجود ممثّلي الدولة في الأستانة يعني تفاوضاً على الجوهر، أي الانتقال السياسيّ للسلطة. حينها وفي الأستانة يُمكن ربما أن يتسرّع الزمن السياسي السوريّ، بعدما غابت السلطة كما «المعارضة التقليدية» عن ساحة مفاوضات الزمن العسكريّ.

الجيش السوريّ ومن ورائه روسيا وإيران يحتاجان أيضاً لالتقاط الأنفاس، حيث لا يمكنهم الانخراط في معركة كبرى جديدة واستنزاف قواهم بعد حلب حتّى تأتي الإدارة الأميركية الجديدة وتتّضح توجهاتها. وما التحرّكات اللافتة للإدارة السابقة سوى تسخين للأجواء كي تنخرط الإدارة الجديدة سريعاً في الملفّات الدوليّة المستعصية. والوضع هو ذاته بالنسبة للقيادة التركية التي تعي المخاطر خاصّة بعد التناقض الواضح الذي برز مع التوجّهات الأمريكية والأوروبية على السواء.

السوريون يبحثون عن التفاؤل فقد عانوا الكثير. ووقف القتال ولو لفترة والشروع بمفاوضات سورية جدّية ترعاها الدول المتصارعة الرئيسة مشربان أساسيّان لكلّ من يكره القتل والدمار، وخاصّة أنّ التخوّف يسود مما سيأتي به عام 2017 من مفاجآت.

تفاؤلٌ برغم الأقدار. فهذه هي المقالة الأخيرة لصاحبها في صحيفة «السفير» قبل إغلاقها. نهاية تجربة حريّة رأي في صحيفة احترمته برغم كلّ شيء.