لا تزال ردود الأفعال حول الفيلم الوثائقي الذي أنتجته قناة «الجزيرة» عن الجيش المصري «العسكر» مطلع الشهر الحالي متواترة، خصوصًا أن الفيلم (51 د) تناول قضية الجندي المصري وقام بتوجيهها نحو أهداف سياسية بقالب انساني اجتماعي، الأمر الذي مثل بالنسبة للمصريين، والقوميين العرب، ضربا بأحد أبرز الجيوش العربية.

زاد من اشتعال الجدال من جديد، إعادة انتشار تقرير كانت قد عرضته القناة نفسها قبل أسبوع واحد من عرض الفيلم يتناول الجيش التركي، ما أظهر الفرق الكبير في التوجه، ومضمون الرسالة الإعلامية. ظهر التجنيد في مصر كإذلال، فيما ظهر التجنيد في تركيا كبطولة.

عنونت القناة التقرير بـ «يولد التركي جنديا... التجنيد الإجباري في تركيا بين شغف الانتظار وفرحة الإنجاز»، وسردت على مدار دقيقتين ونصف تقريبًا حكايات البطولة في تركيا لأبناء الجيش، ورصدت مقولات اجتماعية ونظرة إعجاب بالجندي. يبدأ التقرير بمجموعة من الحشود يهتفون فرحين. تعلق معدة التقرير التونسية آمال وناس: «لا يتعلق الأمر بزفاف، بل هو احتفاء بمجنّد جديد».

هذه الافتتاحية للتقرير جاءت بصورة معاكسة تمامًا لوثائقي «العسكر» الذي بدأ بلافتة كتب عليها «منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب والتصوير». هذه المفارقة في الافتتاحيتين يمكن أن تصور طبيعة المشهد المتناقض الذي قدمته القناة خلال حديثها عن جيشين، على الرغم من الفرق الكبير في التفاصيل بين الوثائقي والتقرير نظرًا لاختلاف المدة.

المشهد المتناقض يتماشى تمامًا مع سياسة القناة التي اتخذت موقفا معاديا من جميع الجيوش العربية تقريبًا، باستثناء الجيوش الخليجية التي شاركت في «عاصفة الحزم»، عندما غزت الجيوش السعودية والقطرية وغيرها اليمن. الجيش المصري ذاته وضعته القناة يوماً في صدارة الجيوش العربية بعد سقوط حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. «انحاز الجيش للشعب»، كتبت حينها «الجزيرة»، وخصصت ساعات طويلة من بثها للحديث عن مناقبية هذا الجيش.

الجيش نفسه وبعد الانقلاب على حكم الرئيس السابق محمد مرسي أصبح «عسكر» يجبر الشبان على الالتحاق بصفوفه، فيقتل أحلامهم ومستقبلهم ويستخدمهم لأغراض سياسية. هو «أحد أهم عناصر الاندماج الاجتماعي ورمز تفوق وقوة وشرف لا يضاهيه أي شرف آخر» في تركيا، و «شنططة، وقطع أرزاق وقضاء على المستقبل» في مصر، هكذا رسمت «الجزيرة» المشهد.

قبل اندلاع أحداث «الربيع العربي» كانت تحتل القناة مكانة مرموقة في العالم العربي، كان ينظر إليها كـ «منبر لِمَن لا منبر له»، كانت اللعبة الإعلامية التي تتبعها «الجزيرة» حينها أكثر ذكاء، إلا أنها ومع بدء الحروب في العالم العربي تخلت عن ذكائها، وتحولت إلى قناة تنظر بعين واحدة فقط، وبشكل فج.

تعادي «الجزيرة» اليوم غالبية الجيوش العربية، أو ما تبقى منها. تعتبر الجيش السوري «جيش نظام»، أو «ميليشيا الأسد»، تناصر «جبهة النصرة»، والفصائل القاعدية الناشطة في سوريا. تعادي أيضًا الجيش العراقي الجديد في عملياته ضد تنظيم «داعش»، إلا أنها وفي الوقت نفسه تواكب عمليات الفصائل المسلحة التي تقودها تركيا في سوريا.

يختلط المشهد أحيانا على المُشاهد، فالقناة مع «داعش» وضده في الوقت نفسه، مع «النصرة» وضدها في الوقت ذاته. يرتبط موقفها بنوعية القوة التي تقاتل هذا الفصيل أو ذاك.

لا تعتبر «الجزيرة» تقديم صورتين متضادتين عن جيشين تركي ومصري خلال أسبوع واحد «سقطة إعلامية»، فالتقرير ما زال موجوداً في أرشيف القناة وعلى صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، كذلك لا ترى أي عيب في تنظيم اصطفافها تبعًا للأهداف والأغراض السياسية. تعرف تمامًا أنها باتت اليوم «قناة للرأي الآخر فقط»، تشارك بكل ما تملك من قوة في الحروب الدائرة كطرف مقاتل ومستفيد.